( الدكتور / سعيد يعقوب )

العودة لصفحة البداية

العودة لفهرس المستبصرين

 

البطاقة الشخصية

 

مولده ونشأته : ولد عام 1947 في عكا بفلسطين من أسرة الحجازي التي هاجر جدها عام 1899م من الحجاز ، وهي أسرة تنسب إلى الامام موسى الكاظم (ع) ثم واصل الدكتور دراسته الأكاديمية حتى نال شهادة الدكتوراه في الفلسفة من أمريكا ، كما درس الطب أيضا حتى أصبح طبيبا متخصصا بالأمراض العصبية والنفسية ، وللدكتور سعيد يعقوب نشاطات أخرى منها أن له (14) كتابا مطبوعا عدا المقالات ، كما انه عضوفي اتحاد الكتاب العرب وعضوفي جمعية البحوث والدراسات وعضو مؤسس في اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين بدمشق ، نشأ في أسرة تعتنق المذهب السني فبقى على هذا الانتماء حتى أخذت الأدلة التي حصل عليها عبر البحث يده عام 1989م فأدخلته في مذهب التشيع الامامي الاثني عشري.

 

منطلقاته في البحث : يرى الدكتور سعيد يعقوب أن الفكر ينبغي أن يتمتع بالحيوية ، ويقصد بذلك أن يكون الجانب الجدلي فعلا في بنية المعتقد الاسلامي وإن يكون الفكر متوثبا لا يركن إلى الجمود ، ويرى أيضا إن من الخطأ أن يكون فكر الانسان محددا بأطر لا يمكن تجاوزها أو الحيد عنها ، لأن ذلك يؤدي إلى اقفال العقل ، وهذا ما يمنع المرء من التقدم العلمي والتقني في جميع الساحات ، ويرى الدكتور سعيد يعقوب أيضا أن عقل كل انسان ينبغي أن يكون عقل مدقق فاحص باحث عن المعرفة سائر إلى تطبيق مناهجه في كل زمان ، وعلى كل أرض.

ومن هذا المنطق بدأ الدكتور سعيد يعقوب بحثه في جميع الأصعدة الدينية وغيرها ، وبهذا المنهج سار في بحثه حتى بلغ المجال المذهبي ليحصل على العقائد المستندة إلى الأدلة والبراهين ، فبحث في بطون الكتب وقارن بين أدلة المذاهب الاسلامية ، وحاور ذوي الخبرة والاختصاص ، ولم يفتر في بحثه قط ، لأنه رأى أن الخير كل الخير في استمرار المباحثات بين المسلمين ، ورأى أن الخطأ كل الخطأ في إقفال بابها ، والجام حوارها ، لأن البحث معين يروى ظمأ المتعطش لمعرفة الحقيقة ، وجنة تورف بظلالها ، وتكثر ثمارها وينبعث النفع منها كالريح الطيبة العطرة.

 

نبذة للتقليد الأعمى : توجه الدكتور سعيد يعقوب إلى البحث ، وهو يعتقد أن التقليد الأعمى وتلقي موروث الآباء والأجداد بلا تدقيق ولا تمحيص هو من أكبر العوائق التي تقطع طريق الباحث وتمنعه من التعرف على الحقيقة ، لأن الذين يصنع لهم آباؤهم منهجا أو قيما أوانظمة بلغت مراتب اعتقدوا أنها هي الدين الذي لا ينبغي الحيد عنه ، فإن هؤلاء لا يمتلكون القدرة على البحث ، لأن هؤلاء قد تعودوا الاقتباس من الغير دون عناء الفحص والتدقيق ، فلهذا تكون قدراتهم خاملة في مجال البحث ، فلهذا نبذ الدكتور سعيد يعقوب التقليد الأعمى لموروثاته العقائدية ، وتجرد عن كل عاطفة تربطه بالمعتقدات التي شب عليها ، وتوجه إلى البحث بموضوعية تامة لترشده الأدلة والبراهين إلى الصواب.

 

اهتمامه بمبحث الامامة : إن مبحث الامامة كان من أهم الأبحاث التي عنى بها الدكتور سعيد يعقوب ، لأنه رأى أن الامامة تشكل دورا أساسيا في حياة المسلمين ، وأن البحث عنها في الواقع قد شغل مساحة كبرى في الفكر البشري عموما ومنذ أقدم الأزمنة ، وأن الامامة ضرورة انسانية نفسية وليست ضرورة مذهبية أو دينية مع ما يمثله الدين من ضرورات في حياة الناس ، ويقول الدكتور سعيد يعقوب في هذا المجال : إن الجدال في التراث الاسلامي حول هذا الموضوع قد أخذ بعدا متميزا ، بحيث نجد من يعتبر الحديث في الامامة من غير المسموحات ، وأن أخطر كل الخطر في الاقتراب منه.

 

إنبهاره بشخصية الامام علي (ع) : لم يعبأ الدكتور سعيد يعقوب بالأقوال التي لا تستند إلى دليل أو برهان ، بل سار في بحثه حتى وصل إلى سيرة الامام علي (ع) باعتباره المثل الأعلى للامامة عند كافة المسلمين ، لما حفل به من قدسية ، بحيث لو ذكرت كلمة الامام ككلمة مفردة لتبادر إلى الذهن فورا الامام علي (ع) ولما تمتع به من صفات الانسان الكامل ، ولم تمض فترة من دراسة الدكتور لشخصية الامام علي (ع) الا وانبهر الدكتور بشخصية هذا الرجل العظيم تبين له أن الطريق إلى علي (ع) هو الطريق إلى الله عز وجل وإن من استرشد الطريق إلى علي (ع) ودخل مدينة علم رسول الله (ص) من بابها ، صار إلى فناء الرحمة المحمدية ، حتى يبلغ مرتبة من كشف عنه الحجاب.

 

تفاعله مع مدرسة الامام علي (ع) ومن هذا المنطلق تفاعل الدكتور سعيد يعقوب مع فكر مدرسة الامام علي (ع) واغترف من نبعها حتى وروى بذلك ظمأه وغدى من أتباعه وأنصاره ومحبيه ، لأنه وجد الحق عنده وأنه ممن يهدي إلى الحق وأنه خليفة رسول الله (ص) بالحق وهو الذي نص عليه رسول الله (ص) بالامامة من بعده في العديد من المواقف ، فلم يتريث الدكتور سعيد يعقوب بعدما انكشفت له الحقيقة كالشمس في رابعة النهار ، فاعتنقها بكل ترحاب ، وترك ما كان عليه فيما سبق واعتنق مذهب أهل البيت (ع).

 

مؤلفاته :

 

(1) " معراج الهداية ، دراسة حول الامام علي ومنهج الامامة " : مخطوط ، صدر عن مركز الأبحاث العقائدية ، ضمن سلسلة الرحلة إلى الثقلين ، يدور البحث في هذا الكتاب حول ثلاثة محاور رئيسية وهي :

المحور الأول : اظهار ماهية الامامة من الناحية النفسية والاجتماعية.

المحور الثاني : انطباق هذه الماهية في النتيجة على شخصيات محدودة.

المحور الثالث : الكيفية التي مارسها الامام علي (ع) في ارساء دعائم خطاب الاسلام الانساني.

(2) " آفاق النفس البشرية ".

(3) " علم النفس والطب النفسي عند العرب ".

(4) " السيرة التاريخية للحضارة العربية ".

(5) " جدلية النفس والشعر عند العرب ".

(6) " علم نفس الاطفال ".

(7) " دراسة في آليات التلاؤم النفسي " ، وغيرها.

 

وقفة مع كتابه : " معراج الهداية " : وهو دراسة حول الامام علي (ع) ومنهج الامامة ، يتكلم الكاتب عن مسار البحث في كتابه هذا ، فيقول :

وسيكون لنا في مسيرتنا البحثية مواطن متعددة نقف عليها واحدا تلو الآخر ، وتدور البحوث هنا حول ثلاثة محاور رئيسية هي :

 

المحور الأول : يدور حول اظهار ماهية الامامة ، في تناول يعتني بالجانب النفسي والاجتماعي من حياة الانسان ، وهذا الجانب هو الذي قادنا إلى تفصيل معنى الامامة من الناحية اللغوية ومن ناحية الاصطلاح ، ولهذا المحور اتجاه نحو فهم شامل للامامة ، لا على أنها قيادة سياسية أو زعامة اجتماعية ، أو على أنها نهج متقدم في شؤون الحياة ، وإنما بما هي مصداق للنزوع الانساني نحو الغاية من الوجود ، ونحو الملاذ الذي يحتمى بكنفه ، ويسعى من أجل بلوغه.

 

المحور الثاني : يدور حول انطباق هذه الماهية في النتيجة على شخصيات محدودة ، تمارس مع تتابع الأزمنة أدوارا رسالية من جهة ، وتمثل مرتكزا هو من أهم المرتكزات العقائدية لدى البشرية كلها ، وهنا سوف نتوسع في استعراض النصوص المقدسة التي تؤيد ما نذهب إليه ، ونجلو بعد ذلك الصورة التي بلغناها في معرفة هذا الانطباق.

 

المحور الثالث : ويكون لنا فيه سياحة مع الكيفية التي مارسها الامام علي (ع) في ارساء دعائم خطاب الاسلام الانساني ـ هذا الخطاب الذي باشره النبي الكريم محمد (ص) ، وكانت البشرية جميعها هي المقصودة من ورائه ، وليس فقط فئة من الناس ، ولا أمة من الأمم.

 

ويفصل الكاتب ما أوجزه هنا بالقول : والحق أن عملنا هنا ينصب بالدرجة الأولى على مفهوم الامامة ، وليس على وظيفة الامام ، مع ما سيكون من فروع تتفرع عن هذا الفهم ، لأن الانطلاق من المفهوم إلى المصداق هو الذي يعين على تلمس معرفة أسباب الاختلاف الذي نشب بين الآراء التي بحثت موضوع الامامة في الاسلام ، ونحن نعلم المدى الذي شغله هذا الموضوع من الفكر الاسلامي ، لكن الأمر أوسع من ذلك ، فهو موضوع في الواقع يشغل مساحة كبرى من الفكر البشري عموما ومنذ أقدم الأزمنة ، بمعنى أنه ليس بدعة خاصة جاء بها الاسلام ، لكن ووفق المنهج الذي اتبعناه ، تبين لنا أنها في عمق الحقيقة البشرية وعمق النفس الانسانية ، أي أن الامام ضرورة انسانية نفسية وليس ضرورة مذهبية أو دينية مع ما يمثله الدين من ضرورات في حياة الناس.

 

ولما كان الجدال في التراث الاسلامي حول هذا الموضوع قد أخذ بعدا متميزا ، بحيث نجد من يعتبر الحديث في الامامة من غير المسموحات ، وأن الخطر كل الخطر في الاقتراب منه، ونجد أيضا نقيض هذه الفكرة لدى أطراف أخرى ، كما نجد من وقف في المنطقة الوسطى بين هذين الأمرين ، رأينا أن المجال يتسع لحمل هذا الأمر محمل البحث الجديد لما فيه من خير وفائدة ، مستعينين بالاضافة إلى العلوم المتبعة في هذا المجال بعلم النفس الذي يقدم لنا خدماته في هذا المجال ، والذي هو مجال تخصصي ودراستي أصلا ، والجانب الآخر الذي رأينا أنه من الضرورات بحثه أيضا ، هو الجانب التطبيقي لما تصل إليه نظرية الامامة.

 

ولما كان الامام علي هو المثل الأعلى للامامة عند كافة المسلمين لما حفل به من قدسية ، بحيث لو ذكرت كلمة الامام ككلمة مفردة لتبادر إلى الذهن فورا الامام علي ، ولما تمتع به من صفات الانسان الكامل ، الذي قصدت مجمل الديانات السماوية والفلسفات الكبرى سبيل بناء الانسان بناء يسير به نحو أن يحذو حذو هذا المثال ، لذلك فقد اخترنا أن نتحرك داخل أجوائه ، ونتعرف على حقيقة الهدف الالهي من وراء جعله اماما للناس كافة ، وهذا قد لا يتحقق يقينا بغير ما ينبغي أن يعرف أولا عن مفهوم الامامة ، ثم بعد ذلك قد تنكشف الحجب وتظهر للمهتم الصورة العلوية المباركة ، وقد سعينا في الختام إلى ربط الامامة تاريخيا بالبعد الانساني عامة ، ادراكا منا أنها لم تنقطع يوما من الأيام ، ولم تنفصل عن مسيرته البشرية ، ولم يتأت هذا الادراك اعتباطا ، بل جاء متوافقا مع نتائج علوم حمة تناولت التاريخ الانساني ، بأبعاده الحضارية وما فيها من إرث يسجل تطلع الانسان ، إلى هدف يسعى من أجل بلوغه ، وإلى ملاذ يلجأ إليه ، وإلى مثال يتطلع نحو كماله ، ويعده الغاية النهائية لحقيقة سعيه.

 

الامامة ماهيتها ومعناها : يستعرض الكاتب الآراء الموجودة في هذا المجال ثم يطرح وجهة نظره مدعما لها بالنصوص فيقول : يجد الباحث في معرض التساؤل عن ماهية الامامة في التراث الاسلامي اجابات متعددة ومتنوعة :

ـ منها من حملها على أنها أمر يختص بالزعامة والقيادة أو الرئاسة.

ـ ومنها من تناولها على أنها فكرة وأدخلها حيز التصورات التي تبحث لها عن تصديق.

ـ ومنها من سار بها نحو التأملأت الفلسفية التي تحتمل في تحققها الخطأ مثلما تحتمل الصحة.

ـ ومنها من رآها شأنا الهيا مثلما النبوة ، ليس للناس من قرار فيه.

ـ وهناك من نأى بها عن فن المعقولات وسار بها نحو الفقهيات ، يريد بذلك ادخالها منطقة الاستنباط ، واخراجها ، عن دائرة الأصول التي يبحر العقل وراء ادراك كنهها ، ويرتفع بها ، عن مقام المعاملات ، ليصير إلى فلسفة المعرفة.

ويتضح لي أن الامامة مفهوم غير جميع ما تقدم ، وعلى هذا المفهوم تترتب النتائج التي تكون أكثر شمولية ، وأشد تعبيرا من المناصب الادارية ، أو السياسية أو العسكرية أو الاجتماعية ، لكن لبلوغ هذا المفهوم يحتاج الراغب لمزيد من العناء ، ولا نقصد بالعناء هنا المشقة من أجل الوصول إليه ، لأن الامامة والامام أمر لا ينبغي معه الغموض ، مثلما لا يجب أن ينشب حوله خلاف من نوع ذاك الذي يقسم الناس إلى فرق وأحزاب ، انما الواجب أو الضروري ـ بمعنى الحتمي ـ أن يكون الامام هو الجامع والرابط بين الناس ، الجاذب لهم والموطد لأواصر التقارب والتلاحم فيما بينهم ، هذا هو الأمر الطبيعي والسليم ، الذي يرسل الله الأنبياء عادة ويزودهم بالأوصياء من أجله.

 

أما مخالفته ، فانها تدخل في باب مخالفة الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، الأمر الذي يلزم عنه بالضرورة شعور الانسان بالضنك وقسوة العيش ، لأن الاعراض عن الفطرة الالهية والاعراض عن سبيل الله هو الذي يورث المشقة ، وهو الذي يجعل الانسان يتخبط على غير هدى ، وليس المقصود بضنك العيش هنا : الاحتياج والفقر ، أو الشعور بالظلم وما شابه ذلك ، انما المقصود هو اغتراب النفس وابتعادها عن راحتها وطمأنينتها بالدرجة الأولى فكم من موسر ، وكم من جبار ، وكم وكم من أولئك الذين يتصور الناس أنهم بلغوا رتبة السعادة في الحياة الدنيا ، تجدهم في حقيقة أمرهم يعانون من الأم القلق والاضطراب ، وعدم الاستقرار والسكينة.

 

لذلك عند اطلاق تسمية ( الامام ) على الرجل الذي يتزعم أو يقود نجدها لا تصلح لأن تبلغ مفهوما بمعنى أن الأمر هنا هو انطباق المصطلح على من يقوم بتنفيذ أمر ما ، وهذا لا يقود نحو تجريد الاسم وبلوغه المعنى الذي يتيح التعمق وبلوغ الحقيقة التي هي شي غير القيام بالفعل ، وسوف نجد مثالا على هذا في قول ابن حزم مثلا " أن الأمة واجب عليها الانقياد لامام عادل يقيم فيهم أحكام الله ، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله (ص).

 

وينبغي علينا أن نفرق تماما بين القائم بالعمل على أن هذا العمل أمر موكل إليه من قبل الناس ، لبراعته فيه وتمكنه وفق مؤهلات تملكها ، أو سلطان خوله القيام عليه ، وبين الامام بالمفهوم العميق الذي أورده الامام الرضا (ع) عند وصفه للامام ، فهولا يزجي إليه مهمة تكون ضمن امكانات العاديين من الناس ، وإن اشتمل بالعرض عليها ، وإنما هو يتعمق إلى جوهر الامامة ، فيقول : (ع) : " الامام عالمٌ لا يجهل ، وراع لا ينكل ، معدن القدس والطهارة ، والنسك والزهادة ، والعلم والعبادة ... نامي العلم ، كامل الحلم ، مضطلع بالامامة ، عالم بالسياسة ، مفروض الطاعة ، قائم بأمر الله عز وجل ، ناصح لعباد ال له... بعد النظر إلى وجهة ابن حزم ، التي يمكن أن تعبر عن معظم من تحدث حول الامامة ووظائفها من الخارج ، والتأمل في توصيف الامام الرضا (ع) وما يتفرع عنه من آفاق تقود نحو الكشف عن حقيقة الامامة ومعناها وجوهرها ، نجد لزاما قبل الاستغراق في متابعة هذين المنحيين في التناول ، أن ننظر في الجذر اللغوي لكلمة ( امام ) ، الأمر الذي يساعدنا على تخطي لكثير من صعوبات البحث.

 

الامام في اللغة : جاء في الصحاح : " هو الذي يقتدى به " ، وكما هو واضح هنا فهي تفيد التعميم ، ولا تختص بتفصيل يقود إلى معنى دقيق وحقيقي ، فالذي يقتدى به يمكن أن يكون شخصا يتمتع بالفطنة والذكاء ، ويمكن أن لا يكون كذلك ، ويمكن أن يكون آلة ، ويمكن أن يكون معلما من معالم المنفعة ، بالطبع نحن نعلم أن المقصود هنا اجمالي ، لكن حديثنا يجب أن يعطف على الفور على رغبتنا في اظهار المفهوم ، لذا تقتضي الدقة أن يحاط بجميع أطراف التعريف ، حتى يصار إلى انتزاع المفهوم الذي يتيح التعمق كما سبق.

 

وجاء في لسان العرب : " أم القوم وأم بهم : تقدمهم ، وهي الامامة ، والامام : كل من أئتم به " ، ويفصل ابن منظور هنا فيقول : " يكون الامام رئيسا كقولك امام المسلمين ، ويكون الامام الطريق الواضح ، ويكون الدليل ، ويؤِم : يقصد " ، وأورد من محيط المحيط في اظهار معنى الامام من الناحية اللغوية قوله : " فالامام هو قيم الأمر ، والمصلح له ".

 

قوة الفطرة في معرفة الامام : يقول الكتاب عنها : " ان هذه القوة الموجودة في الأعماق والتي يشترك فيها أفراد هذا الجنس ، هي قوة ذات بعد فطري ، ولعل هذا البعد هو الذي يعوِل عليه عندما يشتد البحث عن الهدف الذي تبحث عنه أو تنزع نحوه الميول والحاجات الدفينة في أعماق الناس ، اننا : سوف نثير هنا في القارئ الكريم رغبة أو شهوة معرفة ما تؤول إليه حقيقته ، أيا كان الدين الذي يعتنقه ، أو المذهب أو التيار ، لأن الواقع الذي تجري وراءه هذه الفكرة ، هو مجال الانسانية وليس مجالات الفئوية أو الفردية ، ونحن سوف نعتمد على هذه القوة في اشتداد السؤال عن ( ما هو الامام ) ، وبداية نقول أن هذه القوة مزودة بالقدرة على المعرفة التي تجتاز ظواهر الأشياء والنفاذ إلى ماهيتها ، فيما لو تشكلت غير آبهة بالشوائب ، وبمعنى آخر : فيما لو أمكن إزاحة ما يعلق فيها من تراكمات تسدل عليها طبقات من الحجب ، يصعب معها تحديد الغاية الحقيقية التي تهفو اليها.

 

وهذا البعد في الجوهر يساوي العقل الذي يصل من خلال الخبرات إلى تلك المقدرة على الحكم ، والفصل بين ما هو نافع وما هو ضار في الحقيقة ، فبوسع العقل وحده أن يتخطى حدود التجربة ، فينفذ إلى جواهر الأشياء ويقف عليها كما هي موجودة في الحقيقة بصورة مستقلة عنا ، فإن مهمة العقل الوصول بالمعرفة إلى الوحدة المطلقة النهائية ، لكن اليس العقل هو ميزة الانسان اليس جميع الأسوياء يمتلكون هذه القوة إذن فيما التفاوت بين الناس في بلوغ هذه المعرفة ، وفيما يختلف الكل ، كل من وجهته، وإذا كان عند " هيغل " يقف العقل على الوحدة الداخلية العميقة للجوانب المتضادة ، ويتيح بذلك امكانية معرفة الموضوعات في عيانيتها وكليتها ، فما هي الموانع من بلوغ الهدف.

 

لم تحن الاجابة عن هذا السؤال بعد ، لكن نود أن نشير إلى أن الخطاب الالهي في كل الأحوال ، يتجه نحو الجوهر الانساني السليم ، أو الأكثر سلامة ، ذاك الذي يعي ويدرك ويمتلك خاصة سبر ومعرفة أغوار الأشياء ، ويمكن أن نجمله هنا بمصطلح ( النفس ) الذي يرسل اليها الخطاب القرآني ، ومجمل أنواع المخاطبات الانسانية ، أي تلك القوة العاقلة التي تتمتع بالفهم والفكر والمشاعر ، وهذه القوة لا مجال لمعرفتها أو التعرف عليها عبر الأدوات التي تختبر بها القوانين والأنظمة ، كالكيمياء والطاقة والتشريح وما إلى ذلك ، لا لأنها ليست حقيقة ملموسة ، بل على العكس يمكن أن تكون هي الحقيقة الأشد نصاعة بين جملة أشياء هذا الكون ، لقدرتها على التأمل والخلق وترتيب المقدمات التي توصل إلى نتائج ، من اللاشيء أحيانا ، يقول عالم الأحياء " أدلوف بورتمان " : " ما من كمية من البحث على النسق الفيزيائي أو الكيميائي ، يمكنها أن تقدم لنا صورة كاملة للعمليات النفسية والروحية والفكرية ".

من خلال ما تقدم تبين لنا ، أن هذا الجوهر الانساني لا يخضع في حركته الفكرية لأية سلطة ، أولا توجد هنالك من سلطة تمنعه من البحث الدائم ، الذي لا ينفك محاولا الاحاطة بكل تفاصيل الوجود ، عاملا على اخضاعها لمتطلباته ، أو باحثا عن فك رموزها ، هذا ما يؤكده عمل الانسان المبكر على أنشاء علائق تقوم ما بينه وبين الموجودات الشاخصة أمامه ، بل تحرك أعمق من ذلك وذهب نحو الماهيات ، يجرد الأشياء من الأطراف الزوائد التي تلحق بها ليصل إلى اللب ، أو يبحث عن الخالد ، ولا يعبأ كثيرا بالآيل إلى الزوال.

 

والذي يدفعه نحو هذا المنهج ، هو شغف أزلي يسوقه نحو معرفة بدايته ونهايته ، ويجري أعماله على خلق ظروف ومناخات تلائم المراحل التي يقطعها ما بين هذه البداية التي يحياها ، وتلك النهاية التي ينحصر ختام تجربته فوق التراب بها ، بجميع ما يشوبها من الغموض ، وما ينتظره فيها من المجهول ، وبمناسبة هذا المجهول ، فاننا نعطف هنا على أن التعلق والحنين والبحث عن المجهول بالنسبة للنوع الانساني ، هو أمر له علاقة ذات حدين :

الحد الأول : هو الذي يخضع للتساؤلات عن المنشأ والولادة والبداية.

الحد الثاني : هو الذي تجري عليه جميع اختبارات عمره في طريق بلوغه النهاية التي حتمت عليه ، وهو يعرفها لكنه يغض عنها الطرف.

وإن كان الوازع والهاتف الداخلي الذي يحفزه على المعرفة يرتبط بشكل وثيق بالحد الثاني ، حد معرفة مجهول النهاية ، لما يتعلق به في مسيرته الحياتية من آمال تجعله لا يرغب بإنقضائها ، على علمه يقينا بهذا الأنقضاء ، وفيه كلام أمير المؤمنين (ع) موصيا برفض هذه الدنيا : " وإن لم تحبوا تركها ، والمبلية لأجسامكم ، وإن كنتم تحبون تجديدها ، فإنما مثلكم ومثلها كسفر سلكوا سبيلا فكأنهم قد قطعوه ، وأموا علما فكأنهم قد بلغوه ، وكم عسى المجري إلى الغاية أن يجري اليها حتى يبلغها ، وما عسى أن يكون بقاء من له يومٌ لا يعدوه ، وطالب حثيث يحدوه في الدنيا حتى يفارقها ".

 

نتيجة : الواقع أن ثمة اتصال يربط ما بين هذه الحياة الخارجية ، وبين حياة أخرى يسعى لا محالة لبلوغها ، وهي حياة أزلية محكوم بها الانسان ، ومحتاج للتعرف عليها واكتشافها ، لكنه يثبت دائما أنه بمفرده لا يتمكن ـ مع ما يمتلكه من شعور عميق ـ من الوصول اليها ، وكذلك يندفع به هذا الشعور نحوها ، غير أن هذا الشعور يتدخل في تحديد مدى صفائه وخلوصه من الشوائب.

 

لكن قد يتمكن الفرد من الوصول إلى المواءمة بين ما يتلقاه من العالم الخارجي ، وبين ما يتدفق من أعماقه ، وهو هنا عند هذه المرحلة من التمكن سوف يستطيع يقينا أن يلتقط اشارات دقيقة التأثير ، تصل به إلى معرفة مرضية بالمعنى الحقيقي لوجوده والغاية من هذا الوجود ، وبذات المنطقة من المعرفة هذه سوف ينجذب باتجاه ملاذه الذي يدرك بالفطرة المصفاة أنه هو القادر على حمايته من أي سقوط ، مثلما يحميه من مغبة الغفلة عن هذا الذي بلغه من المعرفة ، وهذا الانجذاب مسربل بعناية الهية ، وهي في هذه الهنيهة بالذات معنية بهدايته ، وإنما تكون هذه الهداية في النتيجة هي انكشافه علي امامه الذي يحمي كليته في هذه الحياة ، هذا ما يمكن أن نسميه الوصول الفطري إلى معرفة الامام.

 

الطريق إلى الامام علي (ع) : علينا أن لا نستغرب من هذا العنوان ، لأنه وضع بعد ذلك التمهيد الذي اعتمد منهج التحليل والاستنتاج ، من أجل وضع لبنة جديدة في بنيان مفهوم الامامة عسى ينظر اليها بعين التأني ، وتؤخذ مع من يتوسع بها إلى ما هو أكثر افادة ونفع ، نبدأ أولا بالنظر إلى انطباق مفهوم الامامة الذي أجريناه في بحوثنا على علي (ع) ويفيدنا في هذا المجال أن تقسم هذه البداية إلى عدة أقسام.

القسم الأول : في تسلم راية الامامة ونود أن نذكر بأننا : وصلنا في الفرق بين الامامة وأنواع الزعامة التي تنضوي تحت ظلها ، ولا تطاولها بحال ، ونرغب أن يستمر القارئ معنا في التمسك بالطريقة القرآنية التي تجعل من القلب وطنا للتعقل.

لقد سمح لنا التحرك في أرجاء المفهوم أن نغادر المعنى الظاهري لكي نتعمق في معرف الامام في عيانيتها ، وتراءى لنا أن الفرق بين النور والظلمة يساوي الفرق بين الأبصار والعمى ، ونلاحظ أولا أن علي بن أبي طالب (ع) في كلماته يتناوب كلمة ( ضياء ) كلما ورد ذكر محمد (ص) أوذكر القرآن الكريم ، أوذكر أهل البيت النبوي (ع) كذلك نرى أن رسول الله (ص) عندما يشير في كلامه إلى أهل بيته (ع) فانه يصفهم بأداة النجاة من الغرق ، والتي تشبه إلى حد بعيد مفهوم الخلاص من الهلاك ، والذي يمكن أن يحمل على أن النور هو الخلاص ، والظلمة هي الهلاك ، فكيف يستدل على هذا النور ، بالدرجة الأولى ينبغي أن تنقطع نهاية هذا الأمر إلى الله سبحانه فهو الذي يحيله إليه ، يقول سبحانه : ( الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ) ، لكن هذا الاخراج كما لاحظنا مشروط وفق القانون الالهي بالايمان والايمان ، كما بيناه في بحث الفطرة لا يأتي من غير دين ، وإذا كنا قد بلغنا في متابعتنا لمسيرة النفس الانسانية وما تحمله من قابليات ، وتبين لدينا أن الانسان بطبعه منصت إلى نداء داخلي يتعلق به من قبيل الاعتقاد ، وسقنا على ذلك شواهده العلمية ، نصل بعد ذلك إلى حتمية أوردها الامام علي (ع) في كلماته ، المفتاح الذي يفتح قفل هذا الأمر ، وهو كلامه الآتي يقول : " أول الدين معرفته ـ أي الله ـ " ، واللافت يقينا أن هذا القول لا ينحصر بالاسلام ، وإن كان لا يرى فوق أو غير الاسلام دينا ، انما هذا يلفت إلى الأديان كلها باعتباره يصرح بالأوليات التي تبنى عليها فيما بعد النتائج ، وهو يسلسل هذه النتائج معتمدا هذه النقطة الأولية على أنها مفتاح البداية ( أول الدين معرفة الله ) ، والذي يقودنا إلى هذا ، هو إن الله سبحانه خلق الخلائق وهداها إلى نوره ، فمنذ البدء ثمة هذه الأولية ، منذ تكوين الناس واعمارهم للحياة ، وهو الذي فطرت عليه الانسانية ، وهنا نملك أن نقول : ان المعرفة بالضرورة توصل إلى الايمان.

 

وهذا ايمان الذي تشكل من جرائها ترتبت عليه درجات الكمال التي يشير اليها (ع) في متابعة كلامه ، بقوله : " وكمال معرفته التصديق به " ، يقول " الطباطبائي " في معرض شرحه لهذه الجملة : " والتصديق هذا هو الذي يوجب خضوع الانسان له في عبوديته ، وبهذا التصديق يرسخ الاعتقاد ويثبت ، لذلك كان هذا التصديق كمال المعرفة " ، عند هذا المقام سوف تنطبق الآية الكريمة على أن الله سبحانه يتولى اخراج الذين آمنوا من الظلمات إلى النور ، ولكن هذا لا يكون قبل الخضوع للعبودية بحسب الطباطبائي.

 

القسم الثاني : الطريق إلى علي القرآن والنبي والذي يجعل أمر الهداة منقطعا إلى الله سبحانه ، اضافة إلى ما أوردناه جميعا ، هو بالمقام الأول ما حدث به رسول الله وأمر به ، والذي لا تنبغي المواربة فيه أو المحاكمة ، هو إن كلامه صفو التنزيل ، أي أن كل تقرير أو أمر أمر النبي (ص) الناس أن يأخذوه عنه هو فرض مثلما باقي العبادات ، وعلة هذا قول الله سبحانه : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) ، فلا جدال في أن مصدر أوامر وتعليمات الرسول (ص) هي من عند الله ، والقرآن الكريم مليء بتوكيد هذا ولا حاجة بنا لأن نسرد الكلمات الالهية التي ترفع شأن رسول الله (ص) ، وتجعل من كلماته وحيا يوحى ، حتى نحتاج إلى تثبيت أن كلامه هو محض نور ، وأن مخالفته هي ليست فقط معصية ، وإنما ابطال للأعمال أيضا إن كان هذا المخالف ينظر إلى نفسه على أنه ممن يتقربون إلى الله بعمل أو عبادة ، وعلة هذا قول الله سبحانه ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطـلوا أعمالكم ) ، في الربط الناجز بين طاعة الله سبحانه ، وبين طاعة رسوله عليه وعلى إله أطيب الصلوات ، يمكن للمتأمل أن يلتقي مع علي ابتداء قبل أن ينطلقالى التفصيلات ، وعند هذا الالتقاء سوف يجري النظر إلى متابعة الحاجة إليه ، بعد أن يغادر النبي الأكرم (ص) إلى دار مقره ، وفيه (ع) سوف يعرف متابعة طريق الله مما وراءه ، أولئك الهداة الذين سوف يجسدون نور الله من بعد محمد (ص) وعلي (ع) لأن الطريق إلى الله بعد ذلك سوف لن تكون في ما من بالنسبة للسالك عندما يولي وجهه قبلة سواها ، أي سوى التي ، قال رسول الله فيها أنها سفينة النجاة من ركبها نجى ومن تركها غرق.

 

وقد فرغنا من أن النور والظلمة هما عنوانا البصيرة والعماء ، ووقفنا على أن الانسان غير الداخل في نور الله مارق عن راية حقه ، وأن لهذه الراية حملة ، وأن هؤلاء الحملة هم أفرع شجرة النبوة ، ومصابيح هذا النور ، أئمة الناس وملاذهم ومنجاهم من أي سوء ، وإذا بنيت مقاييس دخول الجنة وقبول الطاعة عند الله سبحانه على طاعته وطاعة رسوله ، فإن كل مخالفة ايلاج في الظلمة ، مفاد قوله سبحانه : ( ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلال مبينا ) ، فإذا لجأنا إلى أوامر الله في طاعة نبيه الهادي الأعظم للبشرية جمعاء ، ثم نظرنا إلى وصايا رسول الله سبحانه في أئمة الهدى من ورائه ، نكون قد وضعنا نصب أعيننا هنا السؤال التالي : ما معنى ( وما آتاكم الرسول ).

 

وقبل الاجابة نقول : ان شرط الطاعة العمل ، أي لا يكفي أن يقر المرء بقلبه بأنه موافق لما يقوله هاديه ، نبيه وامامه ، وإنما ينبغي تأدية العمل بهذه المعرفة ، فالعلم بالشيء بغير القيام به ، يبقى في حيز القصور ولا يكون له مجال تصديق ما لم يبادر إلى العمل به ، وعدم طاعة الله ورسوله نتيجتها بحسب القوانين القرآنية ، هي ما ينحصر في كلامه عز وجل في هذه الآية : ( ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلال مبينا ) ، يوازيها القبول والطاعة والعمل بحسب هذا القانون القرآني إثر قوله جل جلاله : ( ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ).

 

فالله سبحانه الذي اختار أنبياءه ورسله ، اختار أئمة الناس إليه معهم وفي آثارهم ، وكلف كل نبي ورسول أبلغ عن رسالته أنه يشير إلى الذين يمثلون امتداد هذه الرسالة ، وليس من سبيل إلى ذلك بغير تولية سبحانه هذا الأمر ، فالمعروف أن الناس تصارع على الفوز بالذي تراه يقدم لها النفع الآني والمستقبلي ويرغبون بالمناصب والشهرة ، وقد زينت الدنيا لهم ببهارجها ومفاتنها وقد عسر على الانسان الانصياع للسوي ، ما لم يقم عليه الحجة التي تجعله يصدع لهذا الانصياع ، ولا نقصد بالانصياع هنا ، هو التسليم دونما رغبة أو ارادة ، لكن المعروف أن شؤون العقائد ، هي شؤون في غاية التعقيد ، وإن استبدال عقيدة بغيرها بالنسبة لبني البشر ـ خاصة فيما يميل باتجاه الدين ـ مسألة يسفح من أجلها المزيد من الدماء قبل أن تنتصب على أقدامها ، لذلك كان الله اللطيف بعباده سبحانه ، قد ترك الناس على فطرة تسوقهم إلى الهداية ، رغم صراعهم الذي لا يهدأ معها ، إلا أن العديد من آياته عز وجل تشير إلى أن الرسل والدعاة المجتبين لهم وظيفة التذكير والتبشير وإنذار الناس بعدهم ، أي بعد أن يستيقظ فيهم ملمح الاستجابة للنداء الداخلي الفطري الذي يكشف لهم حجب الظلمات ، ويريهم مثالهم ورجاءهم ، لا ينبغي لهم أن يغفلوا بعد ذلك عنه ، فهم إن غفلوا بعد ذلك ، فالوعيد والانذار موجود بوفرة في القرآن الكريم.

 

وعن التذكير الذي تلهج به آيات الله سبحانه ، يطيب لنا ذكر نفحة هنا ، تكون في مقام الاعتراف بفضله سبحانه على الأمم ، وبالشكر له لما تفضل بارسال رحمته التي وسعت كل شي ببعث محمد (ص) : ( وما أرسلنك الا رحمة للعلمين ).

القسم الثالث : الطريق إلى علي بعلي في القسمين الذين أنجزا بحثنا عن معرفته (ع) من خلال الاستنتاج والاستدلال ، ومن خلال كلام الله سبحانه وكلام رسوله (ص) ، وصلنا إلى أن الله سبحانه قد أجرى في الناس سنته ، وليس لأحد أن ينازع الله سنته ، وقضاء رسوله قضاءهما ، فما لمؤمن أو مؤمنة أن يختار ، وبذلك تبين لنا أن الرعاية الالهية قد حفت أمة محمد (ص) باعلان امامة علي (ع) في الناس ، استمرار لهدى الله وابقاء لنوره ، وإن من عمل على اطفاء هذا النور خبا وذهب في مترديات الظلمة ، ومن شرح الله صدره لهداه ، أخذ بناصية فؤداه ، وساقه من حيث يستقر الايمان في قلبه ، ويرد على حبيبه المصطفى يوم لا ينفع مال ولا بنون وقلبه مشتعل رغبة وحبا وأمان ، فهو على حوض المختار ، يسقى مياه أهل الجنة ، ويتراقص في نفسه النور فيجلب الخير لها ، فقد انكشفت أساريره عن هدي محمد باعتناق الاسلام ، وذاب قلبه ولعا بالله ورسوله (ص) ، فآثر ولاية علي على خلائق الله في الأرض ، فكانت راحة علي (ع) في ذاك المقام هي التي تفصل ما بينه وبين نار جهنم التي أعدها الله للظالمي أنفسهم.

 

ونحن هنا سوف نقصد الطريق نحوه (ع) من خلال كلماته التي أرسلها منذ ذاك العهد في الناس ، وما تزال تسري في دياجي الظلمات تكشفها ، وتضي جنبات الكون ، لكن الذي لم يمكنه الله بعد من ادراكها لم ينل حظه من العيش معه بعد ، ونسأله جل جلاله ، أن يقضي لجميع أمة محمد (ص) وللبشرية أن تنفتح عيونها على هديه ، وتستلهم خلاصها منه ، فانه كما قال رسول الله (ص) : " لا يدخلها في باطل ، ولا يخرجها من حق" ، بل أنه فاتح آفاق الأنفس على كوامنها ، ورافع نور الله فوق كل ظلمة بمن منه سبحانه ، لا بسواه والذي يدعو إلى التأني والتأمل في استعراض كلامه ، ليس البلاغة التي يتمتع بها كما يتصور البعض ، فما كان ليدركه النقص (ع) وحتى يبحث عن الكمال ، فالبلاغة ليست فضيلة أو اضافة إلى امامته ، بل إنها من مقتضياتها ، بذلك نحن وإن راعنا جمال أسلوبه ، وأخذ بلباب أفئدتنا حسن تناوله للمفردات ، لكن هذه ليس بذاته الهدف من الاستدلال عليه بكلماته ، وإنما الهدف فوق ذلك ، إنه استلهام نوره من أجل ازاحة ظلمات علت الأفئدة ، وكذلك استدراك طريق تراكمت فوقه غبار التزييف والتحريض ، وانتضاء حق يشعل مصباحه التفاته ، بهذا نحن نقف قليلا مع ما يذكره عن أهل البيت الذين يدور معهم في فلك محمد (ص) وينسج معهم على منواله ، فيأخذ منهم ويعطيهم ، ويتبادل معهم سرائر الكون ، ويكشف للناس خبايا مستقرهم ومستودعهم ، وطرائق عيشهم وسعادة أوقاتهم ، مثلما يزجرهم ويردعهم عندما ينظر فيراهم على غير الجادة ، لعمري كدفع الوالد ولده على اتيان حياض اللذة غير النافعة ، وعدله إلى طرقات الفوز والخلود.

 

كيف ينظر علي (ع) إلى نفسه : ونبدأ القسم الأول بالكيفية الذي ينظر فيها علي (ع) إلى نفسه ، وكيف ينقل لنا وسائل التعرف عليه ، والتماس هداه ، وسنلج في كلماته التي حملتها إلينا الأسفار عبر التاريخ ، ومنها سوف نلحظ مشهد الحق ونعاينه ، ونطرق باب النور ، فينفرج ما بين قلوبنا وبينه ما يجعلنا تطمئن بذكر الله ، وتخشع رغبة في حنوه ، ننظر هنا إلى كلماته يخاطب فيها الناس ، وهو قائم مقام رسول الله (ص) يعلمهم ويعظهم ويميل اليهم بارتياد ثوب النجاة من الفتن ، ولا يترك مطرحا الا وشغله بالفاتهم إلى نور الله ، يقول : " والله ما أسمعكم الرسول شيئا الا وها أنا ذا اليوم مسمعكموه ... ولا شقت لهم الأبصار ، ولا جعلت لهم الأفئدة في ذلك الأوان ، وقد أعطيتم مثلها في هذا الزمان " ، لن يحتاج المتأمل في هذه الكلمات إلى مزيد تدبر ، كي تنكشف عليه حقيقة ما يؤديه فعلي الذي ما أقسم بالله الا صادقا ، يقول للناس : ان المسافة التي تفصلكم عن آبائكم الذين كانوا عندما بعث الله نبيه (ص) يغرقون في متاهات الضلال ، ليست بمسافة بعيدة ، " ما أنتم اليوم من يوم كنتم في أصلابهم ببعيد " ، وأن رسول الله (ص) قام فيهم ، فأزاح عنهم ظلمة الضلال ، وأضاء قلوبهم بنور ربه وكلماته ، وإنني الآن أقوم فيكم ذات المقام ، وأودي رسالته ، أسمعكم ما أسمع النبي آباءكم ، وأكشف عن بصائركم.

 

والذي يجرؤ على قول كهذا ، لا يكن أن يكون مدعيا ، وهو على رأس أمم من صحابة نبي الله (ص) كذلك لا يكون المدعي أن ينفرد باتيان الناس مذكرا ما كان عليه آباؤهم من جاهلية ، ومنفرا إلى الله ورسوله بمثل ما نقرأ عن علي ، لكن الامام هنا ، يؤكد الاشارة إلى أنه حامل راية الحق ، التي تتوارثها الأنبياء والرسل وعند غيابهم تكون في يد الأئمة الهداة ، وعلي (ع) يعرف دائما بأن آل محمد في زمن الاسلام هم حملة هذه الراية ، يقول : " لا يقاس بآل محمد (ع) من هذه الأمة أحد ، ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا ، هم أساس الدين ، وعماد اليقين ، اليهم يفيء الغالي ، وبهم يلحق التالي ، ولهم خصائص حق الولاية ، وفيهم الوصية والوراثة ".

 

دعونا ننظر هنا في الكيفية التي يعرف فيها علي (ع) بآل محمد ، وبالطبع هو قطبهم ، إنه يشير إلى امامتهم للناس ، ليس تلميحا ، بل مثلما قال : فيهم رسول الله تصريحا " لا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه " ، الله سبحانه يتفضل على الناس بأنه أنعم عليهم بمحمد (ص) ، ويجري فضله في آل رسول الله ، أن الذي يتحدث هو الامام كاشفا عن القلوب أغطيتها ، يرسل كلامه في الناس ، منذ تحدث إلى يوم يبعثون وقد حفظ الله كلامه هنا للناس ، على الرغم من أن الأزمنة تدور على الدول ، ولما لم تكن للامام دولة ، بل كانت روح الهداية ، فقد انزاحت الدول وبقي نور الله يسري في فلوات الأزمنة.

 

وهنا مكمن الفرق ، بين الامامة وأصناف الزعامات التي تحدثت عنها في أماكن مختلفة في أنحاء هذا الكتاب ، والذي يجاهر بامامته للناس وفق هذا المفهوم ، ليس أحد غير محمول عليه تخليصهم من فتن الدنيا ، بل على كاهله حمل هذا ، لأنه هو المعبر عيانا عن حقيقته ، ففي سياق تناوله للتعريف بنفسه ، ونعتقد هنا أنه لا يقول : هذا امام جاهل به ، إنما يتحدث لما كان للحديث موجب ، وهذا الموجب هو لكل من يأتي من بعد هؤلاء القوم الذين لا يجهلونه ، إنما تقودهم عنه أمور الدنيا التي تحول بين المرء وربه.

 

فلا يظن أحد أن علي (ع) يتحدث في تينك الأزمنة ، كي تقف الناس على ما هو ، وإنما يتحدث كي تسير في الناس حقيقته ، التي يريد أهل الضلال اطفاء نور الله بأفواههم ، إذ عملوا على إخفائها ، لكن الله سبحانه يأبى إلا أن يتم نوره ، فينطق أثر ذلك (ع) دافعا الشبهات مقيما للحق ، يقول : " فاسألوني قبل أن تفقدوني ، فوالذي نفسي بيده لا تسألوني ، عن شيء فيما بينكم وبين الساعة ، ولا عن فئة تهدي مائة وتضل مائة الا أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها ، ومناخ ركابها ، ومحط رحالها ، ومن يقتل من أهلها قتلا ، ومن يموت منهم موتا ، ولوقد فقدتموني ونزلت بكم كرائه الأمور ، وحوازب الخطوب" ، إن الذي يدعو الانسان ، إلى التفكر في كلام الامام ، ليس البحث عن أحقيته بالخلافة مثلما يظن ، أو عند انزاله الزعيم في الناس ، لكن الأمر مختلف ، فالذي أنجزه محمد (ص) من تركيز وترسيخ لمجمل رسالات الله ، واجتماع الأديان كلها دائرة الدين الاسلامي ، واقامة البينة التي ختم الله فيها جميع الأديان ، لهي التي تلفت نظر الانسان ، إلى الذي يبوح به علي (ع) فهو العارف بكل شيء " علمني رسول الله الف باب من العلم ، يفتح لي من كل باب الف باب " ، وهو الذي عرف خفايا الكرامات التي استودعها الله أهلها ، فهو من رسول الله " كالصنومن الصنو ، والذراع من العضد ".

 

الطريق إلى علي (ع) الطريق إلى الله عز وجل : إذا كان فناء علي (ع) بحب محمد (ص) بلغ منه كل هذا المبلغ ، وراح يذرف نفسه على صغيرا ويحامي عنه يافعا ، ويقاسمه شؤون الدين ، ويذب عن حياضه في كل قائمة وقاعدة ، ويسوح في كل مصر لنصرته ، فكيف برب محمد (ص) ورب جميع الوجود ، من استرشد الطريق إلى علي (ع) ودخل مدينة علم رسول الله (ص) من بابها ، صار إلى فناء الرحمة المحمدية ، حتى بلغ مرتبة من كشف عنه الحجاب ، لكن هذا لا يكون الا ببصيرة راضها حب الله ، ربما كانت هذه الكلمات هنا أقرب إلى التذلل منها إلى روح البحث ، ولو أن البحث في مقدس هو في هذا المقام ، لا يجد له مناصا من بلوغ عتبة التواضع التي هي شرفة كسب المعرفة.

 

كتب على مر التاريخ المئات من العلماء والفلاسفة حول بداية الوجود وأصله ، وذهبت الأمم في هذا مذاهب شتى ، منها من قارب الحقيقة ، ومنها من زاغ بصره ، ومنها من وقف في المنطقة الوسطى ، وثمة من لم ير مبررا للتحرك نحو أشياء لا تدرك ، لكن العمق النفسي الانساني هو في تعريفات الكتاب هنا يساوي " الفطرة " ، فالفطرة التي يتحرك فيها شعور البحث عن القوة التي تدير شؤون الحياة ، ما زالت مستمرة بالدفع الذي هو من خاصيات الحركة ، فهي ليست ساكنة في طبيعتها ، ولم تستكن إلى اليوم.

وفي تناول هذه الظاهرة ، يمكننا النظر إلى مجمل ما قاله الامام علي (ع) في نهج البلاغة وسواه من الكتب التي نقلت ارشاداته للناس ، والتي تدخل في معظم نواحيها في عوالم فلسفة المعرفة ، فيضع على الأساس للبحث ضمن منطقة القدرة البشرية ، ويحزم حقائب الذين يتناولون أو يحاولون تناول ذات الله بالدرس والتأمل ، ويشرع لهم طريق الارتحال.

 

وهذه المدرسة بالذات هي مدرسة رسول الله (ص) ، وقد شق علي بن أبي طالب (ع) بامداده الناس بمثل هذه المعارف الطريق الذي رسمت فيما بعده المدارس الكلامية مناهجها ، وإن لم تكن في المجمل قد بلغت رغبته في تناقل العلأبين الناس ، لكنها أثرت في تراث الانسانية مخزونا عظيما من الكتب والبحوث العقائدية والفلسفية.

 

وقد يعلم من انكشفت له حقيقة امامه أنه قال : " لا يزيدني كثرة الناس حولي عزة ، ولا تفرقهم عني وحشة " ، فهو البالغ مبلغ اليقين من ربه ، والسلامة من أداء أمانته ، ويذهب مطمئنا إلى باريه.

ونختم هذا بوصيته (ع) التي منها : " وأعلم ـ يا بني ـ أنك إنما خلقت للآخرة لا للدنيا ، وللفناء لا للبقاء ، وللموت لا للحياة ، وإنك في منزل قُلعة ، ودار بلغة ، وطريق إلى الآخرة ... واياك أن تغتر بما ترى من أخلاد أهل الدنيا اليها ، وتكالبهم عليها ، فقد نبأك الله عنها ... فإنما أهلها كلاب عاوية ، وسباع ضارية ، يهر بعضها بعضا ، يأكل عزيزها ذليلها ... سلكت بهم الدنيا طريق العمى ، وأخذت بأبصارهم عن منار الهدى.

 

العودة لصفحة البداية

العودة لفهرس المستبصرين