( محمد بيلو باري )

العودة لصفحة البداية

العودة لفهرس المستبصرين

 

البطاقة الشخصية

 

مولده ونشأته : ولد عام 1976م بمدينة بيتا  في جمهورية غينيا ، من عائلة تعتنق المذهب المالكي ، حاصل على شهادة الليسانس في القانون والعلوم السياسية ، تشرف باعتناق مذهب أهل البيت (ع) عام 1991م في كوناكري عاصمة غينيا.

 

البحث عن أجوبة مقنعة : يقول الأخ محمد : لقد كان والدي من علماء الدين الكبار في مدينة بيتا وكان الطابع الديني من السمات البارزة لأسرتنا ، فأثرت تلك الأجواء المفعمة بالالتزام والتدين في نفسي وجعلتني أنشد منذ الصغر للدين ، حتى تمكنت بحمد الله من حفظ القرآن الكريم في العقد الأول من عمري ، ولوجود مكتبة في بيتنا ـ بحكم عمل أبي ـ كنت أجد متعة منقطعة النظير في مطالعة كتب التاريخ والعقائد ، ومن هنا صاغت لي هذه العوامل عقلية باحثة تستفسر عما يشكل عليها ، وتحب التحليل والجواب الدقيق ، وهذا ما أوجد لي مشكلة كبيرة ، وذلك لأني بدأت أفقد اقتناعي بما هو مدون في بطون هذه الكتب ، لما فيه من تهافت وتناقض ، بل وأمور غير منطقية فكنت ألتجىء إلى أبي باعتباره عالما ليحل لي هذه الاشكالات ، والتي كان منها :

 

1 ـ هل من المعقول أن لا يعين النبي (ص) خليفة من بعده تقصده الأمة وترجع اليه.

2 ـ ان أفضلية أهل البيت (ع) واضحة وجلية ، يقر بها المخالف لهم والموافق ، فلماذا أخرتهم الأمة وقدمت غيرهم.

3 ـ الحديث القائل : ان كلا من القاتل والمقتول في النار ، اليس هذا اجحاف بحق المظلوم.

4 ـ الحديث القائل : خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء ـ يعني عائشة ـ ، اليس فيه دلالة استنقاص لبقية الصحابة المقربين.

فصرت أشعر بتزلزل في أركان معتقداتي ، فلم أجد بدا من الالتجاء إلى البحث والدراسة بنفسي لأنقذها من الوضعية المتأزمة التي صرت أعاني منها ، وللأسف أن الدراسة والتتبع لم يشف غليلي ، وذلك لأن أمورا فاجأتني لم تكن تخطر ببالي من قبل فقد أدركت أن السياسة لعبت دورا أساسيا في اعطاء بعض الشخصيات وزنا كبيرا ، حيث جندت بعض الأقلام والأفواه لوضع الأحاديث ، والذي منها حديث الحميراء هذا.

بطلان حديث  خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء : ان الباحث لو أمعن النظر في هذا الحديث الذي تمسك به البعض واعتمد عليه تمام الاعتماد ، يجده حديثا قد أبطله كبار علماء العامة وحفاظهم ، ومنهم :

 

1 ـ المزي : حيث قال :  لم أقف له على سند إلى الآن.

2 ـ الذهبي : فعن ابن الملقن ، قال : قال الذهبي : هو من الأحاديث الواهية التي لايعرف لها اسناد.

3 ـ ابن قيم الجوزية : إذ قال في جواب سؤال وجه إليه : هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن ينظر في سنده ، قال : فصل ومنها أن يكون الحديث باطلا في نفسه ، فيدل بطلانه على أنه ليس من كلامه ، كحديث : المجرة التي في السماء من عرق الأفعى التي تحت العرش ... وكل حديث فيه ( يا حميراء ) وذكر ( الحميراء ) فهو كذب مختلق ... وحديث خذوا شطر دينكم عن الحميراء.

4 ـ ابن كثير ، عن السيوطي : وقال الحافظ عماد الدين ابن كثير في ( تخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب ) هو حديث غريب جدا ، بل هو حديث منكر.

5 ـ ابن حجر العسقلاني : أيضا أنكر هذا الحديث ، فقال : لا أعرف له اسنادا ولا رواية في شيء من كتب الحديث ، الا في النهاية لابن الأثير ولم يذكر من خرجه.

6 ـ السيوطي : حيث قال حديث : خذوا شطر دينكم عن الحميراء  لم أقف عليه.

7 ـ الفتني : وقد أدرجه في ( تذكرة الموضوعات ).

8 ـ القارئ : أورده في كتابه ( المصنوع ) حديث : خذوا شطر دينكم عن الحميراء  لا يعرف له أصل.

 

فهذا حال الحديث باعتراف كبار أئمة العامة في هذا الخصوص ، ثم لو راجعنا سيرة زوج النبي (ص) عائشة لأدركنا أن هذا الحديث لاينطبق مع بعض مواقفها.

 

ما نقل من سيرة عائشة : لو يمعن الباحث النظر في سيرة عائشة يرى بوضوح بطلان هذا الحديث وكونه موضوعا لا حقيقة له ، لأن أخذ شطر الدين عن الحميراء كما ورد اللفظ ، يعني إلاستنان بها باعتبارها أحد المؤتمنين على الشريعة ، في حين أنها كانت تتصرف بأمور لم يرتضيها الشرع أبدا، واشارة لذلك نذكر طائفة منها :

 

عائشة مع النبي (ص) : ورد أن عائشة واجهت النبي (ص) بقولها : أنت الذي تزعم أنك نبي الله ، وقولها له (ص) بحضور أبيها : يا رسول الله أقصد فلطمها أبوها وجعل الدم يسيل من أنفها ، والحال أن القرآن الكريم أعطى للنبي (ص) بعدا آخر يقوم على احترامه وتعظيمه وخفض الصوت أثناء الحديث معه ، فقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ) ، فهل يقول مؤمن بالله وبكتابه وبرسوله أن موقفها هذا مرضي عند الله ، ليؤخذ شطر الدين عنها.

 

عائشة مع أزواج النبي (ص) : ان تعامل عائشة ومواقفها مع باقي نساء النبي (ص) دليل آخر على كون حديث  خذوا شطر دينكم عن الحميراء موضوعا ، لما في هذا التعامل من الفظاظة والغلظة ، فقد ذكر الزركشي في ( الاجابة ) نقلا عن كتاب محمد بن عبد الملك التاريخي : ـ سمعت عائشة ـ سودة تنشد :

 

عدي وتيم تبتغي من تحالف

 

فقالت عائشة لحفصة : ما تعرض الا بي وبك يا حفصة ، فإذا رأيتيني قد قمت فأخذت برأسها ، فأعينيني ، فقامت فأخذت برأسها ، وخافت حفصة فأعانتها ...  ، وروى الترمذي وغيره عنها أنها قالت : قلت للنبي حسبك من صفية كذا وكذا ، فقال لها النبي (ص) : لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته ـ أي يتغير بها طعمه أو ريحه لشدة نتنها ـ ، وورد أنها قالت :  لما قدم رسول الله (ص) المدينة وهو عروس بصفية بنت حيي ، جئن نساء الأنصار فأخبرن عنها ... فقال : ـ رسول الله ـ : كيف رأيت ، قلت قلت : أرسل يهودية وسط يهوديات ، وأخرج النسائي في صحيحه ، عن أم سلمة : أنها أتت بطعام في قصعة لها إلى رسول الله ، فجاءت عائشة مؤتزرة بكساء ومعها فهر ، ففلقت به القصعة ، ولها حوادث مشابهة مع حفصة وصفية ، وذكر البخاري في صحيحه عن عائشة نفسها ، قالت : كان رسول الله (ص) يشرب عسلا عند زينب بنت جحش ويمكث عندها ، فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل له : أكلت مغافير ، اني أجد منك ريح مغافير ، قال : لا ، ولكن أشرب عسلا عند زينب بنت جحش ، فإذا كان الانسان رهين إحاسيسه وعواطفه ، فهل يعقل أن يؤخذ عنه شطرا من الدين.

 

قولها في مسجد النبي (ص) : قد ذكر البخاري في صحيحة ، عن عائشة : لقد دعاني رسول الله (ص) يوما على باب حجرتي ، والحبشة يلعبون في المسجد ، ورسول الله يسترني بردائه انظر إلى لعبهم ، وأخرج مسلم في صحيحه عنها : جاء حبش يزفون ، في يوم عيد في المسجد ، فدعاني النبي (ص) فوضعت رأسي على منكبه ، وأحاديث أخرى بخصوص هذا المورد ، ولا يخفى ما للمساجد من أهمية في الاسلام ، حيث نص الشارع المقدس على حرمة تنجيسها ، وأعطاها مكانة مرموقة تتناسب مع دورها الحيوي والريادي في بناء الانسان المسلم ، وقد ورد عن رسول الله (ص) : ما ينبيء عن عظيم احترامه وتقديره لبيوت الله ، حيث قال (ص) :جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراركم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم واقامة حدودكم وسل سيوفكم وغير ذلك ، ولمسجد النبي (ص) خصوصية ، حيث أن قداسته وفضيلته وعظمته أشهر من أن تذكر ، فهل يعقل أن يسمح خاتم الرسل (ص) بانتهاك حرمة مسجده ، وهل يعقل أن يسمح النبي (ص) بهذا الفعل فيكون سنة من بعده ، كل هذا يدعو للتآمل أما في من وردت عنه الرواية ، أو في صاحبي الصحيحين الذين أوردا هذا الكلام.

 

عائشة وصلاة المسافر : ورد عن عائشة : الصلاة أول ما فرضت ركعتين ، فأقرت صلاة السفر ، وأتمت صلاة الحضر ، قال الزهري : فقلت لعروة ما بال عائشة تتم ، قال : تأولت ما تأول عثمان ، في حين أن كتاب الله يامر بقصر الصلاة في حال السفر ، وذلك في قوله تعالى : ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا ) ، فعلام هذا التأويل وقد كان رسول الله (ص) يقصر صلاته في حال السفر ، فيا ترى هل نأخذ شطر ديننا عن امرأة تتم الصلاة في السفر.

 

عائشة مع امام زمانها : ومن الأدلة على وضع حديث ـ أخذ شطر الدين عنها ـ خروجها علي امام زمانها الذي أطبق المسلمون على مبايعته.

وعقيدة العامة عدم جواز الخروج على الامام وإن كان فاسقا ، فكيف بخروجها على سيد الوصيين وأمير المؤمنين وقد قال رسول الله (ص) فيه وأهل بيته (ع) : أنا حرب لمن حاربكم ، وسلم لمن سالمكم ، وكان نتيجة خروجها حدوث فتنه عمياء وقعت فيها حرب طاحنة سفك فيها دماء الآلاف من أهل القبلة ، فريق باغون علي امامهم ناكثون لبيعته يدعون دعوى باطلة ، وفريق يصدهم عن الغي ويدعوهم إلى الهدى.

 

والكتاب الذي وجهه الامام أمير المؤمنين (ع) إلى طلحة والزبير وعائشة يثبت ذلك ، حيث يقول فيه : وأنت يا عائشة فإنك خرجت من بيتك عاصية لله ولرسوله تطلبين أمرا كان عنك موضوعا ، ثم تزعمين أنك تريدين الاصلاح بين المسلمين ، فخبريني : ما للنساء وقود الجيوش والبروز للرجال والوقوع بين أهل القبلة وسفك الدماء المحرمة ، ثم انك طلبت على زعمك دم عثمان ، وما أنت وذاك ، عثمان رجل من بني أمية وأنت من تيم ، ثم بالأمس تقولين في ملأ من أصحاب رسول الله (ص) : اقتلوا نعثلا قتله الله فقد كفر ثم تطلبين اليوم بدمه ، فاتقي الله وارجعي إلى بيتك ، وأسبلي عليك سترك ، والسلام  ، كما قد حذر النبي (ص) من هذه الفتنة ، وأشار إلى مكمنها فأورد البخاري ، عن عبد الله : قام النبي (ص) خطيبا فأشار نحو مسكن عائشة ، فقال : ههنا الفتنة ثلاثا من حيث يطلع قرن الشيطان.

 

وأورد مسلم ، عن ابن عمر : خرج رسول الله (ص) من بيت عائشة ، فقال : رأس الكفر من ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان ، فهذه الأحاديث تفند وتهد كل أساس يقوم عليه حديث خذوا شطر دينكم عن الحميراء لأن النبي (ص) ، قال عنها : رأس الكفر  وكفى بها من عبارة ... ، هذا اضافة إلى شواهد عديدة لأقوال علماء أهل السنة الدالة على عدم صدق الحديث ، كقول الزهري حول علم عائشة : ليست عائشة أعلم عندنا من ابن عباس ، هذا ولو سلم بصحة الحديث ودلالته لوجب على أهل العامة أن يكفروا عثمان ويجردوه من ألقابه  ذي النورين ، والشهيد ، والخليفة المظلوم و ...  التي منحوها اياه لأن زوجة النبي (ص) التي أمر الرسول بأخذ شطر الدين عنها على قولهم ، قالت : اقتلوا نعثلا ، قتل الله نعثلا فقد كفر ، والجدير ذكره أن أول من سمى عثمان بهذا الاسم عائشة ، حتى عاب عليها جمع من المسلمين ذلك عندما أدعت طلب ثاره من الامام علي بن أبي طالب (ع) كان منهم :

 

1 ـ عمار بن ياسر ، الذي قال لها حينما رآها تبكي على عثمان : أنت بالأمس تحرضين عليه ، ثم أنت اليوم تبكينه.

2 ـ الأحنف بن قيس ، عندما قال لها في البصرة قبل حرب الجمل : يا أم المؤمنين ما كبرت السن ولا طال العهد ، وأن عهدي بك عام أول تقولين فيه وتنالين منه.

3 ـ أم سلمة زوج النبي (ص) ، عندما خادعتها عائشة لتخرجها معها ضد الامام أمير المؤمنين (ع) ، فقالت لها : انك كنت بالأمس تحرضين على عثمان وتقولين فيه أخبث القول ، وما كان اسمه عندك الا نعثلا.

4 ـ عبيد بن أبي سلمة ، الذي قال لها عندما لاقاها قرب المدينة : ان أول من طعن عليه وأطمع الناس فيه لأنت ، ولقد قلت : اقتلوا نعثلا فقد كفر ( فجر ) ... ، وقال البلاذري :  لما اشتد الأمر على عثمان ، أمر مروان بن الحكم وعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد ، فأتيا عائشة وهي تريد الحج ، فقالا لها : لو أقمت فلعل الله يدفع بك ، عن هذا الرجل ، فقالت : قد قربت ركابي وأوجبت الحج على نفسي ، ووالله لا أفعل ، فنهض مروان وصاحبه ، ومروان يقول :

 

وحرق قيس علي البلاد  *  حتى إذا أضطرمت أجذما

 

فقالت عائشة : يا مروان وددت والله أنه في غرارة من غرائري هذه وأني طوقت حمله حتى ألقيه في البحر ، ولقد ألبت عائشة الوضع على عثمان وخذلت عنه الناس وحطت من قدره ، ولم تعدل عن تلك النظرية حتى بعد مقتله ، لأنها كانت تعتقد أن الأمر سيؤول إلى ابن عمها طلحة حتى قالت : بعد أن وصلها نبأ مقتل عثمان : بعدا لنعثل وسحقا ، إيه ذا الاصبع إيه أبا شبل إيه يابن عم لكأني أنظر إلى اصبعه وهو يبايع له.

 

انقشاع سحب الظلام : يقول الأخ محمد بيلو : جعلتني هذه الحقائق مضطربا معرضا عن كل معتقداتي السابقة وللخروج من هذا المأزق عكفت على كتب المناظرات لعلي أجد فيها مخرجا ، ولم أكن بذاك المستوى القادر على الصمود امام النقد والتحليل ، حتى أن شاركني في توجهي هذا مجموعة من الأصدقاء الذين كانت لهم نفس المعاناة.

وخلال هذه الفترة سمعت أنا وأصدقائي بوجود عالم شيعي يقول عنه أهل المنطقة : أنه ترك الدين ، ومرق عن الاسلام ، والتزم الكفر ، فقررنا الذهاب إليه واسمه ـ  الشيخ محمد حبيب سو  ـ لنرى ما يحمل من أفكار.

 

والتقينا به فكان على نقيض ما رمي به وشنع عليه ، فكان رجلا خلوقا محيطا بالدين عالما فاضلا ... وبدأنا نطرح مالدينا عليه ، فتأمل في كلامنا ثم دعانا لعدم التسرع في اتخاذ القرار ، وأبدى استعداده التام للتعاون معنا في هذا المجال ، ثم أخذ يجيب على الشبهات العالقة في أذهاننا ـ وفق مذهبه ـ ويدعم اجاباته بما هو مدون في مصادر العامة ، ويرشدنا لذلك ـ كي نطمئن ـ وأخذ يتابع بحوثنا والنتائج التي نتوصل اليها ، وبعد فترة بدأ يلقي على مسامعنا دروسا في العقائد الشيعية حتى أتم برنامجه معنا ، ثم خيرنا بعد ذلك في اتخاذ القرار.

فوجدنا أن سحب الشبهات قد انقشعت ، وغيوم الجهل قد تبددت ، حيث انكشف لنا ما خفي من التاريخ ، وعرفنا أن هناك طائفة مظلومة رغم أحقيتها ومتانة أسسها ، فانشددنا أكثر وقررنا سلوك نهجها ، وركبنا سفينة النجاة واهتدينا بهدي الأئمة من آل البيت (ع) وتولي آخرهم كما تولينا أولهم ، وكان استبصاري بحمد الله في العاصمة الغينية  كوناكري  عام 1991م.

 

العودة لصفحة البداية

العودة لفهرس المستبصرين