( مبـارك بعداش )

العودة لصفحة البداية

العودة لفهرس المستبصرين

 

البطاقة الشخصية

 

مولده ونشأته : ولد الشيخ مبارك بن محمد بن صالح بعداش عام 1935م في منطقة " قنا " التابعة لمدينة " قبلي " في دولة تونس ، وترعرع في أحضان عائلة ملتزمة ومحافظة تعتنق المذهب المالكي ، تشرف بالانتماء إلى مذهب أهل البيت (ع) في عقد الثمانينات بعد حوارات عديدة أجراها مع العلماء والأساتذة ، وبعد دراسات معمقة اندفع اليها لمعرفة الحق.

 

السيرة الحسنة وبلورة الفكر : يقول الشيخ مبارك بعداش : " كنت أعيش في أجواء أسرة دينية محافظة بحيث ترك هذا الأمر الأثر البالغ في توجهي الديني ، ودفعني منذ صغري أن أكون مقيما للصلاة ومداوما على صيام شهر رمضان ، كما انني التحقت في وقت مبكر بحلقات دروس القرآن الكريم ، وكان لهذا الأمر الدور الكبير في بلورة فكري وسلوكي نحو الاتجاه الديني ، رغم أن الأجواء التي كان يعيشها بلدنا تسير نحو الانحراف ، وذلك بسبب الاستعمار الفرنسي المقيت الذي سعى لسلخ بلدنا عن هويته العربية والاسلامية ، والذي فشل في نهاية المطاف ونبذ خارج البلاد ، لكنة خلف في ساحتنا الاسلامية رواسب فكرية جعلت مجتمعنا يعاني منها بعد ذلك.

 

الانجراف مع التيار القومي : بعد اتمامي للدراسة الاعدادية شجعني والدي على الالتحاق بالمعهد الثانوي في جامع الزيتونة ، فلبيت طلبه وقضيت مدة سبع سنوات في ذلك المعهد حتى تخرجت منه عام 1957م بحصيلة تاريخية وفقهية وثقافية يعتد بها ، وكنت ذلك الحين في ريعان شبابي ، وتزامنت هذه الفترة مع حركة التحرر العربي والمد القومي الذي اجتاح الساحة حتى هيمن على عواطفي وأحاسيسي فأصبحت من المتحمسين والمؤيدين له ، واستمر هذا الحال إلى أواخر الستينات حتى التقيت بــ " راشد الغنوشي أحد الحركيين الاسلاميين البارزين في شمال قارة إفريقيا ، إذ كان عائدا لتوه من سوريا وهو يحمل معه أفكارا جديدة لاتلتقي مع ما كنت عليه من أفكار.

 

الاعجاب بحركة الاخوان : وبحكم رابطة الصداقة التي كانت بيني وبين الغنوشي جلسنا معا حتى دار الحديث حول ما يخص بلدنا ، فتباحثنا معا حول أفضل أسلوب وأفضل خط فكري بوسعه أن ينتشل أمتنا من التدهور الذي تعاني منه ، فوجدت فكره ومنهجه أفضل من الرؤى المادية التي أنا عليها ، لأنه كان يدعو إلى الله تعالى متبنيا للاطروحة الاسلامية ، في حين كنت أدعو إلى تمجيد شخصيات كانت أفكارها محدودة وذو أبعاد ضيقة ، فدعاني الأستاذ راشد للانضمام إلى حركة اخوان المسلمين ، فقبلت ذلك وأصبحت أحد أعضائها الناشطين والمتميزين ، وكنت أتصور أن الدين كله متمثل بهذا التنظيم ، وأن أفكار " حسن البنا " و " السيد قطب " و " الشيخ المودودي " فريده في ذاتها ، والاطروحة التي ليس لها مثيل في الساحة الاسلامية المعاصرة ، ولكنني بعد فترة اطلعت على نقاط ضعف كثيرة في هذه الحركة كانت محفزة لابتعادي عنها ، حيث وجدتها حركة مهتمة بالبعد الثقافي أكثر من أهتمامها بالبعد الروحي للشريعة الاسلامية ، ومما زاد بعدي عنها طريقة تعامل قيادتها معنا ، فهم يسكنون خارج تونس ومع ذلك كانوا يعممون أفكارهم التي لا تنسجم مع الأجواء التي كنا نعيشها ولايسمحون لنا بنقدها.

 

التوجه نحو التصوف : وبالفعل بدأت أنسحب من حركة الأخوان بشكل تدريجي غير ملفت للنظر ، وكنت خلال هذه الفترة أبحث عما يشبع روحي ويروي ظمأي ويوقظ فطرتي ويجعل وجداني ممتلىء بشهود الله تعالى ، فصممت أن أتوجه إلى التصوف لأسد هذا الفراغ الروحي الذي كنت أعاني منه ، فسافرت إلى مدينة " توزر " والتقيت بــ " الشيخ إسماعيل الهادفي " زعيم الجماعة المدنية ، فجلسنا معا وتحاورنا حول بعض المسائل الدينية ، وتلقيت من أتباعه منهجهم الديني ، ولكن بعد عودتي إلى مدينة " قفصة " التي كنت مقيما فيها ، تأملت في التصوف فوجدته عبارة عن عمل دائري يدور على نفسه ، ويعود من حيث يبدأ فخاب أملي فيه.

 

الاطلاع على حقائق تاريخية : بعد ذلك صادف أن التقيت بأحد الشباب المؤمنين ، فدار حديث بيننا حول الوضعية الاجتماعية لحركة أخوان المسلمين ، فقلت له : لا علم لي بهم منذ فترة ، ثم سألني عن وضعي النفسي ، فقلت له : انني لا أشعر بارتياح وأنا ضجر من الحالة التي نعيشها ، فقال لي : هناك جماعة تسمى جماعة أهل البيت ، فلماذا لا تذهب اليهم وتتعرف عليهم لعلك تجد بغيتك عندهم.

فتأملت في كلامه وقلت في نفسي : ان أهل البيت (ع) يمثلون فكرة تاريخية تراثية ، برزت في العصر الاسلامي الأول ولم يكتب لها البقاء ، وان الامام علي وفاطمة الزهراء والحسن والحسين (ع) هم كباقة زهور فوق منضدة الاسلام ، ولم أتصور أن لهم امتدادا حيا إلى يومنا هذا، ولكن لا بأس أن أتعرف عليهم بصورة مباشرة لأرى ماهم عليه ، وبالفعل أخذني ذلك الشاب إلى أحد أصدقائه فدعانا إلى تناول طعام العشاء في منزله ، واتصل هاتفيا بعدد من أصدقائه ليحضروا المأدبة على شرفي ، فلبيت الدعوة ، بعد تناول وجبة العشاء جلسنا معا نتجاذب أطراف الحديث ، فسألني أحدهم عن اختصاصي في مجال العلوم الاسلامية ، فقلت له : أنا ملم بالسيرة ، وقد بذلت جهدي لاتقانها ودراستها بصورة معمقة ، فقال لي : بودي أن أسألك عن ثلاثة أسئلة حول السيرة ، قلت له : اسأل ، فقال لي : أين ترك رسول الله (ص) ابنته فاطمة الزهراء (ع) حينما هاجر إلى المدينة.

 

فكرت في الاجابة ، فلم أجد جوابا لسؤاله، وراجعت ذاكرتي فلم أجد في الكتب التي قد قرأتها أي خبر في هذا المجال ، فكل ما ذكر في هذا المقطع التاريخي يرتبط بعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر ، فقال لي : إن تريد الواقع ، ان عدم ذكر هذا الأمر هو دليل على بتره ، فان مدوني التاريخ والسيرة ديدنهم عدم تسليط الأضواء على الأمور المرتبطة بعترة الرسول (ع) لكونهم تبعا للحكام الذين حاولوا اخفاء ما يمنح أهل البيت (ع) فضلا أو منقبة ، فلم أجد جوابا استند إليه لرد مدعاه ، وقلت : هذا الموضوع غير مهم جدا ، هات سؤالك الآخر ، فقال لي : هل تعلم كيف خرج الامام علي (ع) من مكة بعد أن أدى أمانات وودائع رسول الله (ص) ، وهل تعلم مع من هاجر ، وكيف دخل المدينة المنورة.

راجعت مرة أخرى ذاكرتى فلم أجد فيها ما يحضر ببالي من كتب السيرة والتاريخ ما ذكر في هذا المجال ، فان الأضواء كلها كانت مركزة على غيره من النساء والصبيان والعبيد ، ولم يذكر التاريخ الذي طالعته شيئا يرتبط بالامام علي (ع) في هذا الخصوص بشكل لائق ، سوى ما ورد أنه أدى الودائع وخرج بعد ثلاثة أو أربعة أيام ، وأما كيفية خروجه ومن خرج معه وما جرى عليه فلم أجد له تفصيلا يذكر ، وكاد رأسي يتصدع ، لأنه السؤال الثاني الذي لم أجب عليه.

 

فذكر ذلك الشخص مرة أخرى مسألة وجود البتر في تدوين السيرة، فقلت له : ان هذا الأمر يحتاج إلى تتبع ودراسة ، وقد يكون كما تقول ، فانني سوف أبحث عن ذلك في ما بعد ، ولكن هات سؤالك الثالث، فقال : سؤالي الثالث يرتبط أيضا بهذا المجال ، ويؤكد ما ذكرته إليك بأن معظم مدوني السيرة لم يكتبوا السيرة بصورة كاملة ، بل دونوا منها ما كان يتلائم مع أهوائهم ومأربهم ، وسؤالي هو : هل تعلم سبب بقاء رسول الله (ص) في " قبا " وهي على مشارف المدينة ، في حين كان المسلمون من الأنصار والمهاجرين يخرجون كل يوم ـ رغم حرارة الجو ـ ينتظرون مجيء النبي (ص) ، فهل تعلم أي داع دعى النبي (ص) لذلك، هنا أيضا وجدت كتب التاريخ والسيرة لم تشر إلى هذا الأمر ، فقلت له : لا يوجد على ما في بالي ذكرا في الكتب التي قرأتها في هذا الخصوص، فقال لي : هل تعرف سبب ذلك، فحرت بالجواب ، وأسقط ما في يدي ، وأصبحت رجلاي لاتحملاني.

 

وهنا أشار إلي بالبتر من جديد ، فعرفت أن معلوماتي ملفقة وناقصة ، فجلست امام هذا الشاب كالتلميذ لأصغي إلى كلامه ، فكانت اجاباته قوية مؤيدة بالمصادر التاريخية للفريقين ، فعجبت من التزييف الذي طال هذا الموضوع كما طال غيره أيضا كالحديث والتفسير والفقه و ... ".

وحيث أن هجرة النبي (ص) كانت تمثل منعطفا مصيريا في مسيرة الاسلام ، حاولت الأقلام أن تسلط عليها الأضواء بشكل مكثف ، فأشاروا في تبيينها إلي من يهيء الراحلة للنبي (ص) ، وعلى من يحمل له الطعام ، والمرأة التي يمر عليها في طريقه ، والذي يقص اثره ويتبعه لينال الجائزة و ... ، في حين نرى أنهم لم يذكروا ما يعتد به حول وصيه الامام علي (ع) الذي هومنه بمنزلة النفس ، والمؤدي عنه ، أماناته ، والفادي له بنفسه، ومهما يكن من أمر فان الحقائق أكبر من أن تحجب ، خصوصا وقد أنزل الله تعالى في كتابه ما يؤكدها ، كقوله تعالى : ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد ) ، اشارة إلى الامام علي (ع) ليلة مبيته في فراش النبي (ص) ، حتى أن الله تعالى باهى به ملائكة السماء حيث ورد أنه تعالى أوحى إلى جبرائيل وميكائيل : " اني آخيت بينكما ، وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر ، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة، فاختار كلاهما الحياة ، فأوحى الله اليهما : الا كنتما مثل علي بن أبي طالب ، آخيت بينه وبين محمد (ص) فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة ، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه ، فنزلا ، فكان جبرئيل عند رأسه ، وميكائيل عند رجليه ، وجبرئيل ينادي : بخ بخ من مثلك يا بن أبي طالب ، يباهي الله عز وجل به الملائكة ، وأنزل الله عز وجل على رسوله (ص) وهو متوجه إلى المدينة في شأن علي (ع) : ( ومن الناس من يشري نفسه ) ".

 

هجرة الامام علي (ع) إلى المدينة : تبدأ خطوات هجرة الامام علي بن أبي طالب (ع) بعد مبيته في فراش النبي (ص) بخروجه من مكة جهارا متحديا لكبرياء قريش ومرغما لأنوفها ، ليوصل ودائع النبوة ـ ضعينة الفواطم ـ إلى رسول الله (ص) بسلام ، والعجيب ماروى بعض العامة ، عن الامام علي (ع) أنه قال : " ما علمت أحدا هاجر الا مختفيا ، الا عمر بن الخطاب فانه لما هم بالهجرة تقلد سيفه وتنكب بقوسه وإنتضى بيديه أسهما ، واختصر في عنزته ، ومضى قبل الكعبة والملأ من قريش بفنائها ، فطاف بالبيت سبعا متمكنا ، ثم أتى المقام فصلى متمكنا ، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة ، فقال لهم : شاهت الوجوه ، لايرغم الله الا هذه المعاطس ، من أراد أن تثكله أمه أو يؤتم ولده أو يرمل زوجته ، فليلقني وراء هذا الوادي ـ وقال : فما تبعه أحد " ، فمدونوا التاريخ رغم أنهم قصروا في حق الامام علي (ع) نجدهم في قبال ذلك قد عظموا بعض الرجال ونسبوا اليهم مواقف بطولية لا حقيقة لها في أرض الواقع كما في هذا الحديث.

 

شخصية عمر بن الخطاب الحقيقية : ان المتتبع للتاريخ الاسلامي يكتشف أن عمر لم يسلم الا قبل الهجرة بقليل ، خائفا مختبئا في داره ، حتى جاءه العاص بن وائل السهمي وتحدث معه وسأله عن حاله ، فقال عمر : زعم قومك أنهم سيقتلونني إن أسلمت ، فقال العاص : لا سبيل إليك ، فبالله عليك إن من يختبىء في دراه ويخشى الناس ، ويستجير بالكافرين لحمايته ، هل يقال عنه : أنه أعز الاسلام عند اسلامه ، أو أنه خرج متحديا قريشا في هجرته ، وإن صح ما قيل عنه بخروجه الشجاع ، فأين تلك البطولة حينما أرسله النبي (ص) إلى مشركي مكة في الحديبية ليؤدي عنه رسالته ، فقد ورد أنه قال : اني أخاف قريشا على نفسي ، وليس بمكة من عدي أحد يمنعني " وأشار على النبي (ص) بارسال عثمان لهم.

 

ومن الأمور التي تكشف عن مدى شجاعة عمر وثباته ، مارواه الزمخشري : " من أن أنس بن مدركة كان قد أغار على سرح قريش في الجاهلية ، فذهب به ، فقال له عمر في خلافته : لقد اتبعناك تلك الليلة ، فلو أدركناك ، فقال : لو أدركتني لم تكن للناس خليفة "، وهي كناية ظريفة عن الفتك به وقتذاك ، ومن مواقفه أيضا ، ان الرسول (ص) لما استشار أصحابه حول حرب بدر ، قال عمر لرسول الله (ص) : " انها قريش وخيلاؤها ، ما آمنت منذ كفرت ، وما ذلت منذ عزت ... " ، فأعرض عنه النبي (ص) كما أعرض عن أبي بكر الذي كان له رأي مماثل لرأي صاحبه ، وأما في يوم أحد ما كان من عمر الا الانهزام ففر مع كبار الصحابة من ساحة الحرب ، مخلفين رسول الله (ص) وحيدا لا يذب عنه الا أخاه ووصيه الامام علي (ع) ونفر ممن جاء بعد ذلك ، وقد غمزه النبي (ص) في الحديبية فقال له : " أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولاتلوون على أحد ، أنا أدعوكم في أخراكم " ، ولو ثبتت شجاعة عمر في الميادين ـ على اختلافها ـ لما كان يقر على نفسه بالفرار قائلا : " لما كان يوم أحد هزمنا ، ففررت حتى صعدت الجبل ، فلقد رأيتني أنزو كأنني أروى ".

 

وكذا عندما جاءته امرأة مسلمة ومعها بنت لعمر ـ أيام خلافته ـ تطلبان بردا من أبراد كانت بين يديه ، فأعطى المرأة ورد ابنته ، فقيل له في ذلك ، فقال : " ان أبا هذه ثبت يوم أحد ، وأبا هذه فر يوم أحد ولم يثبت "، وقد سجل هروبه هذا جمع من أعلام العامة ـ على اختلاف مشاربهم ـ كالجاحظ ، والسيوطي ، والشوكاني ، فضلا عن الذين ذكروا من ثبت عند النبي (ص) ولم يوردوا إسم عمر ، فهذه المواقف تبين شخصية عمر بوضوح وإن حاول البعض أن يبرروا ذلك ، كالفخر الرازي الذي قال حول المنهزمين يوم أحد : " ومن المنهزمين عمر ، الا أنه لم يكن في أوائل المنهزمين ولم يبعد ، بل ثبت على الجبل إلى أن صعد النبي (ص) " ، والجدير بالذكر أن الذي ينظر في التاريخ لايجد أن عمر أصيب بجرح ، أو أنه جرح أحدا ، بل الجميع يقر بعدم امتلاكه المواقف البطولية في ساحة الحرب ، وكل ما في الأمر أنه فر في أحد وخيبر وحنين ، ولم يسجل له في حروب وغزوات رسول الله (ص) موقف يعتد به، وعلى العموم لم تكن مواقف الرجل مشجعة حتى يعقل تحديه لقريش حين خروجه من مكة إلى المدينة ، وواقع الأمر أن هذا التحدي كان من قِبل الامام أمير المؤمنين (ع) الذي شهدت له العرب بذلك قبل وبعد استضاءتها بنور الاسلام ، فسأل بدرا واسأل أحدا وسل الأحزاب وسل خيبر ، لكن أعداء الامام علي (ع) لم يتحملوا أن يروا مناقبه تزدهر في سماء المجد ، فنسبوها إلى غيره.

 

علة تأخر دخول النبي (ص) للمدينة : ان سبب بقاء الرسول (ص) في " قبا " قد بينه (ص) : لأبي بكر حينما وجده يصر على الدخول في المدينة ، بقوله : " ما أنا بداخلها حتى يقدم ابن أمي وأخي ، وابنتي "، فالامام علي (ع) هاجر بمسمع ومرأى من قريش ، وكان الرسول (ص) قد ترك الزهراء (ع) عند فاطمة بنت أسد أم علي بن أبي طالب (ع) فلما هاجر الامام علي أخذ الفواطم معه تنفيذا لوصية الرسول (ص) ،  والفواطم هن : أمه فاطمة بنت أسد (ر) ، وابنة رسول الله (ص) فاطمة الزهراء (ع) وفاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب ، وفاطمة بنت الزبير ـ على ما روي ـ وتبعهم أيمن ابن أم أيمن وأبو واقد فجعل يسوق بالرواحل فأعنف بهم ، فأمره أمير المؤمنين (ع) بالرفق ، فاعتذر بخوفه من الطلب ، وقد أدركه الطلب قرب " ضجنان " ، فكانوا سبعة فرسان وثامنهم جناح مولى الحارث بن أمية ، فأقبل عليهم الامام علي (ص) منتضيا سيفه ، فطلبوا منه الرجوع ، فقال : فإن لم أفعل، قالوا : لترجعن راغما أو لنرجعن بأكثرك شعرا ، وأهون بك من هالك ، ولما دنوا من الرواحل ليثيروها حال (ع) بينهم وبينها ، فأهوى جناح بسيفه عليه ، فراغ الامام علي (ع) عن ضربته وضربه على عاتقه ، فمضت الضربة حتى كادت تمس كاثبة فرسه وشد على الباقين وهو يرتجز ويقول :

 

خلوا سبيل الجاهد المجاهد آليت لا أعبد غير الواحد

 

فتفرقوا عنه ، وقالوا : أغن عنا نفسك يابن أبي طالب ، فقال (ع) : فإني منطلق إلى ابن عمي رسول الله (ص) بيثرب ، فمن سره أن أفري لحمه وأريق دمه ، فليتبعني ، أو فليدن مني ... ، ثم توجه بمن معه صوب النبي (ص) حتى وصل إلى " قبا " ، ولما بلغه (ص) وصول أمير المؤمنين (ع) ، قال : ادعوا لي عليا ، قيل : يا رسول الله لايقدر أن يمشي فأتاه (ص) بنفسه ، فلما رآه اعتنقه وبكى عليه رحمة لما بقدميه من الورم ، وكانتا تقطران دما ، وقال (ص) لعلي (ع) : يا علي ، أنت أول هذه الأمة ايمانا بالله ورسوله ، وأولهم هجرة إلى الله ورسوله ، وآخرهم عهدا برسوله ، لايحبك ـ والذي نفسي بيده ـ الا مؤمن قد امتحن قلبه للايمان ، ولايبغضك الا منافق أو كافر.

 

الانتماء لمذهب أهل البيت (ع) : يقول الشيخ مبارك بعداش : " لقد أذهلتني هذه الحقائق ، وجعلتني أتساءل في نفسي : لماذا هذا التعتيم على دور الامام علي (ع) ، ولماذا هذا الاخفاء لذكر فاطمة الزهراء (ع) ، ثم لماذا هذه التغطية على مكانة الامام (ع) عند النبي (ص).

وحسب ـ جميع مطالعاتي ـ لم أرى من ذكر أن الامام علي (ع) دخل مع النبي (ص) إلى المدينة فالجميع يذكرون أبا بكر فقط ، كما طرأ في ذهني سؤال آخر : وهو ان وصول النبي (ص) إلى المدينة المنورة إذا كان في شهر ربيع الأول ، فلماذا نعتبر العام الهجري من أول شهر محرم.

وهكذا انقدحت في ذهني أسئلة كثيرة لم أجد لها في كتبنا ـ أبناء العامة ـ ولاعند علمائنا جوابا ، فبقيت حائرا أبحث عن مخرج لها ، وأدركت أن لامخرج من هذه الدوامة الا بالبحث والمطالعة والاستقصاء ، فشمرت عن سواعد الجد وخضت في عباب القراءة لأصل إلى الحقيقة ".

وبالفعل بادر الشيخ مبارك إلى هذا الأمر ، وقد تنبه صديقه راشد الغنوشي إلى تحوله التدريجي ، فلما سمع بأنه انتمى إلى التشيع أسرع إلى زيارته ، فيقول الشيخ مبارك بعداش : " جاء راشد الغنوشي إلي منزلنا بعد أن تشيعت فلم يجدني ، وبحكم الصداقة القوية التي بيني وبينه ، دعاه من في الدار للدخول إلى المكتبة والانتظار ريثما أعود ، فدخل هو وأحد أصدقاءنا إلى المكتبة ، وأخذا يتأملان في الكتب ويبحثان لعلهما يجدان عندي كتبا شيعية ، فلم يجدا شيئا من هذا القبيل ، ثم سألا زوجتي هل حدثك الشيخ عن معتقد جديد ، فقالت لهما : لم أسمع منه شيئا بخصوص ذلك ، الا أنه كان في الفترة الأخيرة كثير المطالعة والتتبع.

 

وبعودتي إلى المنزل التقيت بهما ، فقال لي راشد : هنئنا هل تشيعت ، فقلت له : إنني أسألك عن ثلاثة أمور فإن أجبتني عنها تخليت عن التشيع ، فقال : لا أريد أسئلتك لأننا لا نستطيع أن نجاري الشيعة في النقاش والحوار ، فهم حزب قد شيدوا معتقدهم وأحكموا بناءه منذ زمن قديم ، ولهم تاريخ حافل من أيام الامام علي (ع) ، فاستغربت من جوابه وكان اعترافه هذا محفزا لتمسكي بالتشيع ، وذلك لأنني كنت أظن أن الشيعة أضعف منا ، وإذا برائد حركة الأخوان في تونس يقر بضعف العامة ـ قديما وحديثا ـ امام الامامية ، فوجدت من غير اللائق لأي عاقل أن يتسلح بالعصا ويترك السيف.

ومن ذلك الحين من الله تبارك وتعالى علي بالاهتداء إلى مذهب العترة (ع) فتشرفت باعتناق مذهب أهل البيت (ع) في عقد الثمانينات في بلادي تونس ، بعد عناء وجهد مكثف بذلته في المطالعة والبحث ".

ويضيف الشيخ مبارك قائلا : " أنا اليوم بحمد الله تعالى أعمل قدر وسعي مع اخواني المؤمنين على نشر مذهب أهل البيت (ع) وقد وفقنا الله تعالى إلى حد ما في جذب الكثير إلى مذهب أهل البيت (ع) من خلال التوعية والتبليغ ".

 

العودة لصفحة البداية

العودة لفهرس المستبصرين