( عبدالمحسن السراوي )

العودة لصفحة البداية

العودة لفهرس المستبصرين

 

البطاقة الشخصية

 

مولده ونشاته : ولد السيد عبد المحسن بن علاوي عبد الله الحسيني السراوي عام 1957م في قرية السعدة من قرى ساحل الخابور التابعة لمحافظة الحسكة في دولة سوريا ، أتم الاعدادية والثانوية في معهد الروضة الهدائية الشرعي بحماة عام 1981م ، ثم انتسب إلى كلية الدعوة ـ فرع جامعة ليبيا بدمشق ، ثم تخرج منها سنة 1988م ، وتلقى على عاتقه مهمة رئاسة ديوان مديرية أوقاف محافظة الحسكة وكان عضوا في مجلسها المحلي : ما بين عام 82 ـ 1985.

 

بداية تعرفه على مذهب أهل البيت (ع) : كان السيد عبد المحسن السراوي يمتلك عقلية باحثة ومتعطشة للتنقيب والدراسة والتحقيق فدفعه ذلك للخوض في دفائن التراث والبحث عن الحقائق فيه ، وكان أكثر ما يلفت انتباهه هو البحث عن المذاهب وبالأخص موضوع فقه المذاهب الاسلامية ، كما كان السيد عبد المحسن السراوي غير متعصب حين بحثه حول المذاهب الاسلامية ، فلهذا وسع دائرة بحثه ولم يقتصر على المذاهب الأربعة المعروفة ، بل ارفق بها مذهب أهل البيت (ع) ، يقول السيد عبد المحسن في هذا المجال : من أراد أن يبحث ويقارن بين المذاهب ، فعليه أن يلقي جلباب التعصب المذهبي ويكون هدفه مرضاة الله تعالى ولم شمل هذه الأمة التي لا تزال تتخبط في العصبية المذهبية.

 

نبذه للتعصب المذهبي : يرى السيد عبد المحسن أن التعصب يهيمن على العقل ويحجب بصيرته عن الرؤية الواضحة ، وأن عقول المتعصبين عاجزة حين البحث عن رؤية الواقع والحقيقة كما هي عليه ، ومن جهة أخرى أن التعصب يزيد من شقة الخلاف ، ويجر المسلمين إلى الوقوع في الماسي من جراء الانقسام والتفكك ، فيقول حول التخبط في العصبية المذهبية : لا يستفيد من هذا التخبط الا أعداء الدين الذين يريدون أن تبقى الخلافات ليبقوا هم القدوة ولو على حساب التفرقة بين أبناء هذه الأمة ، لأن كثيرا من كتاب عصرنا لا يزالون يعيشون بعقلية عصور الظلمة ، تلك التي استغل ظروفها المندسون في صفوف المسلمين لنشر المفتريات وخلق الأكاذيب.

 

نعم أولئك الكتاب فقد حمدوا على عبارات سلف عاشوا في عصور الظلمة ، عصور التطاحن والتشاجر فقلدوهم بدون تفكير أو تمييز حتى أصبحت القضية خارجة عن نطاق الأبحاث العلمية وهي إلى المهاترات أقرب من المناقشات المنطقية ، وكل ذلك من أثر التعصب المردي والتقليد الأعمى والادعاء الكاذب ، فهم عندما يتناولون موضوع البحث عن مذهب أهل البيت (ع) بالذات أو بالعرض سواء في المعتقدات أو الآراء الفقهية أو الحوادث التاريخية فلا نجد الا ما يخالف الحقيقة ، وأكثرهم يكتب بلغة الكذب والافتراء والتهم ، كل ذلك نتيجة التعصب البغيض الذي أسر عقولهم وحرمهم حرية التفهم للحوادث التاريخية طبقا لواقعها الذي يجب أن يزول عنه قناع التضليل ويماط عن جوهره غبار الخداع والتمويه.

 

نتائج بحثه الموضوعي : بهذه الرؤية الموضوعية قام السيد عبد المحسن السراوي بالبحث والتنقيب والمقارنة بين المذاهب الاسلامية ، فأدرك بالتدريج خلال البحث رجحان كفة تراث مذهب أهل البيت (ع) وقوة مبادئة وغزارة معارفه ، فلهذا بادر إلى ترك انتمائه السابق الى مذهب أهل السنة والتحق بركب أهل البيت (ع) ، اعتنق مذهب أهل البيت في 1984م.

 

تقييمه لمذهب أهل البيت (ع) : يقول السيد عبد المحسن مخاطبا أبناء انتمائه السابق : إنني أود أن الفت نظر أبناء هذه الأمة في هذا العصر إلى رعاية حقوق أمتهم وأن يستعرضوا تاريخ مذهب أهل البيت (ع) بدون تعصب أو تحيز ، وأن يلحظوا تطور مذهب أهل البيت (ع) وسيره في طريق التقدم بما لديه من القوى الحيوية والقدرة على مقاومة الطوارىء وتخطي تلك الحواجز التي وقفت في طريقه ما لو وقف بعضها في طريق غيره من المذاهب لما استطاع أن يخطوا خطوة واحدة لأنها عوامل قاهرة ، على أن مذهب أهل البيت ليس باستطاعة أي أحد مؤاخذته بشيء في ذاته ، فهو موافق لكتاب الله العزيز والسنة المستقيمة والشعور والمتطور والوجدان ، وقد وجد العقل السليم فيه بغيته ، كما إن باب الاجتهاد مفتوح على مصراعيه ، وقد برهن بغزارة مادته ومرونة أحكامه ودقة بحوثه وسلامة قواعده ونقاوة أصوله وفروعه ، على أنه أقوى مصدر للتشريع الاسلامي ويتطور مع الزمن ومع كثرة الحوادث.

 

عتابه لعلماء أهل السنة : يقول السيد عبد المحسن : إن من المؤسف أن نرى الكثير ممن كتبوا عن التشريع الاسلامي قد اقتصروا على ذكر المذاهب الأربعة فحسب رغم الخلاف الواسع بينها ، ولم يذكروا أقوال أهل البيت وعلمائهم وآرائهم في الفقه والأصول والحوادث التاريخية ، ويضيف : عذرنا أولئك القوم الذين دونوا الفقه في العصور الغابرة ، لأن الخشية من ذكر مذهب أهل البيت (ع) قد أرغمتهم على الاعراض عن ذكره فإن التعرض لذلك انما هو تعرض للخطر ، ولكننا نعجب من المتأخرين الذين ساروا على تلك السيرة الملتوية ولم يعطوا مذهب أهل البيت (ع) حقه من العناية في البحث ولا يستبعد أن التقليد من حيث هو قد دعاهم لمخالفة الواقع ، والا فما هو المانع من التعرض لذكر مذهب أهل البيت (ع) عندما يكتبون عن التشريع الاسلامي.

 

موانع الاستبصار : يرى السيد عبد المحسن إن من أهم العقبات التي تقف مانعا بين المنتمى إلى مذهب أهل السنة والتعرف على مذهب أهل البيت هي الموانع التي خلقها بعض علماء أهل السنة لتحول بين اتباع مذهبهم وبين الاحتكاك بمذهب أهل البيت (ع) ويرى كذلك عدم وجود كلفة في معرفة مذهب أهل البيت (ع) سوى قراءة الكتب الموضوعية المدونة حول هذا الموضوع ، لأن هذا الأمر يوفر للباحث المناسبة للوقوف على الحقيقة ، والسير في سبيل الهدى عن وعي وبصيرة.

 

مؤلفاته :

 

1 -  " فاطمة الزهراء في الأحاديث النبوية " : صدر عن دار المودة / بيروت سنة 1994م ، قال : المؤلف في المقدمة : إنه قد سألني بعض الاخوان من أهل الايمان أن أكتب له : ما هو المختار من كتب الحديث والسيرة والتاريخ والسير والتراجم في سيرة السيدة فاطمة (ع) من أيام ولادتها إلى وفاتها ، وجعلته في بابين : الباب الأول في ثمانية فصول ... ، الباب الثاني في سبعة وعشرين فصلا.

 

2 - " مسند الامام علي (ع) " : قال : المؤلف في المقدمة : " رتبته حسب الكتب الفقهية ، يبدأ بكتاب الاسلام والايمان والوحي وينتهي بكتاب فضائل الصحابة ، وهذا الكتاب الأخير لم أبوبه على أسماء الصحابة بل تركته بدون تفصيل ، ولم ادخل في هذا المسند المعلقات وجمعت فيه الأحاديث المسندة فحسب لأنها هي التي يمكن أن يجري عليها الحكم تقوية أو تضعيفا ، وحققت أحاديث المسند ليخرج وفيه الحكم على صحة كل حديث أو ضعفه وبيان علله استنادا إلى علم الجرح والتعديل بالبناء والتشييد لا بالتقليد والمتابعة.

 

3 - " القطوف الدانية في ستة عشر مسألة خلافية " : صدر عام 1997م ، عن دار المودة / بيروت ، قال : المؤلف في مقدمة الجزء الثاني : " طبع الجزء الأول من كتابنا " القطوف الدانية في المسائل الثمانية " طبعتين ، الطبعة الأولى في الشهر التاسع من عام 1993 ونفدت ولله الحمد ، والطبعة الثانية في الشهر التاسع 1994 والتي طبعها الأخ الأستاذ عبد الله عدنان المنتفكي وقدم لها مشكورا ، والآن نقدم للقراء الطبعة الثالثة من الكتاب المذكور مع الجزء الثاني بمسائله الثمانية الثانية ، وهذه المسائل الستة عشر هي عبارة عن : المسح على الرجلين في الوضوء ، الأذان ، الجهر بالبسملة ، القنوت ، السجود على الأرض ، الجمع بين الصلاتين ، التكبير على الجنائز ، زيارة القبور ، صلاة الجماعة ، صلاة المسافر ، التكتف في الصلاة ، ذكر آمين بعد الفاتحة ، التشهد في الصلاة ، السهو والشك في الصلاة ، صلاة الجمعة وشرائط صحة الصوم.

 

4 - " معرفة ما يجب لآل البيت النبوي من الحق على من عداهم " : صدر عام 1998 م ـ 1418 ه- عن منشورات السراوي ، الكتاب من تأليف تقي الدين أحمد بن علي المقريزي المتوفي سنة 845 هـ وتحقيقالسراوي ، يقول المحقق في المقدمة : " وبعد فان الكتاب لمؤلفه العلامة المقريزي ، والذي عالج فيه قضية من أدق القضايا التي كان لها أثر واضح في تاريخ الأمة الاسلامية ، من خلال شرحه لخمس آيات من القرآن الكريم ... ، وقد جعل المقريزي من هذه الآيات الخمس مستندا له في بحثه الذي يدور حول ما يجب لآل البيت (ع) من حب المسلمين لهم وتوقيرهم ، ونصرتهم ، ومودتهم ... واعتمد في تفسير هذه الآيات على عمدة المفسرين ".

 

وعن عمله في الكتاب يقول : خرجت الأحاديث والآثار على الكتب الستة ، ثم اتبعتها بباقي الكتب من المسانيد والسنن والصحاح وأجزاء الحديث والمعاجم وغيرها ، قد شرحت عقب تخريج الأحاديث أو الآثار ، ما يحتاج إلى ايضاح أو بيان أو تعليق ، وقد رجعت في بيان الغريب لكتب اللغة ، وترجمت للاعلام الذين في الكتاب ... وفي نهاية الكتاب وضعت الفهارس الفنية العلمية لتيسير الوصول للأحاديث واستخراجها بأقصر طريق.

 

وقفة مع كتابه : ( القطوف الدانية في ست عشرة مسألة خلافية ) : تعرض الكاتب في كتابه إلى المسائل الخلافية بين مذهب أهل البيت (ع) والمذاهب الأربعة والتي كثيرا ما يواجهها المهتدي لولاية أهل البيت (ع) فيسأل عنها وما الدليل عليها ، وقد اثبت الكاتب الرأي الصحيح فيها من أحاديث وأقوال وكتب أهل السنة فضلا عن كتب الشيعة ، وكتابه يدعو إلى الوحدة بين أبناء الأمة من خلال معالجة المسائل الخلافية والوصول بها إلى نتيجة علمية من خلال الأدلة الصحيحة المتفق عليها ، ونورد نحن هنا أهم ما كتبه في مسألتين من هذه المسائل كنموذج لعدم امكان ايراد جميع المسائل.

 

الأولى : الجمع بين الصلاتين : لا خلاف بين المسلمين قاطبة في جواز الجمع بعرفة وقت الظهر بين فرضي الظهر والعصر كما لا خلاف بينهم في جواز الجمع في المزدلفة وقت العشاء بين فرضي المغرب والعشاء واختلفوا فيما عدا ذلك ، فالمذاهب الأربعة ومن تبعهم اختلفوا اختلافا كبيرا في ذلك ، فإليك صورة عن الخلاف المتشعب ، منهم من جوز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء تقديما وتأخيرا بعذر السفر.

أما أبو حنيفة فمنع من ذلك ، وقال : لا يجوز الجمع بين صلاتين بعذر السفر بحال ، وفي قول آخر لا يجوز الجمع بين صلاتين في وقت واحد سوى الظهر والعصر بعرفه والمغرب والعشاء في وقت واحد بعذر السفر أو المطر تقديما أو تأخيرا ، أما عند المطر فقد أجاز الشافعي الجمع بين الصلاتين تقديما ، وقال أبو إسحاق الشيرازي الشافعي : ويجوز الجمع بين الصلاتين ، وأحمد يوافق مالك في جواز الجمع بين العشائين فقط لعذر المطر لا بين الظهر والعصر سواء قوي المطر أو ضعف إذا كان المطر يبل الثوب ويوجد معه مشقة وكذلك يجوز للوحل وريح باردة شديدة في ليلة مظلمة.

وذهب جماعة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك وحكاه الخطابي ، عن القفال ، عن ابن إسحاق المرزوي ، عن جماعة من أصحاب الحديث واختاره ابن المنذر ، إلى غير ذلك من الأقوال بين مواقف لبعض ومخالف لبعض آخر ، أما أئمة أهل البيت (ع) فقد صدر منهم كلام واحد بأن الجمع جائز بين المغرب والعشاء تقديما وتأخيرا ويجوز الجمع بين الظهر والعصر تقديما وتأخيرا ، قالوا : بذلك تبعا للنبي (ص) ، ويدل على صحة هذا القول علاوة على الأحاديث الكثيرة الواردة عن أئمة أهل البيت (ع) آيات كريمة وأحديث نبوية شريفة من طرق دعاة السنة فلابد أن يقع الاستدلال في مقامين :

 

المقام الأول : الاستدلال بالآية الكريمة : ( أَقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق اليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ) ، ولنترك الكلام لأحد علماء السنة الأعلام وهو الفخر الرازي فخر المفسرين حيث قال : فإن فسرنا الغسق بظهور أول الظلمة كان الغسق عبارة عن أول المغرب وعلى هذا التقدير يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقات ، وقت الزوال ووقت الغروب ووقت الفجر وهذا يقتضي أن يكون الزوال وقتا للظهر والعصر ، فيكون هذا الوقت مشتركا بين الصلاتين وإن يكون أول المغرب وقتا للمغرب والعشاء فيكون هذا الوقت مشتركا أيضا بين هاتين الصلاتين فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقا ، الا أنه دل الدليل على أن الجمع في الحضر من غير عذر لا يجوز ، فوجب أن يكون الجمع في السفر وعذر المطر وغيره.

 

وهذا كماترى بعد أن اعترف بدلالة الآية وصراحتها على جواز الجمع مطلقا الا أنه تشبث بما روي مخالفا لكتاب الله تعالى وكيف غاب عنه إنما يؤخذ بالسنة فيما إذا لم تعارض كتاب الله على أن السنة الشريفة أيضا ناطقة بصريح القول بجواز الجمع مطلقا كما سيأتيك إن شاء الله تعالى ، وقال البغوي : تأييدا لما ذكرناه عن الفخر الرازي حيث قال ح :مل الدلوك على الزوال أولى القولين لكثرة القائلين به ولأنا إذا حملنا عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها فدلوك الشمس يتناول صلاة الظهر والعصر وغسق الليل يتناول المغرب والعشاء والقرآن الفجر هو صلاة الفجر.

 

المقام الثاني : الاستدلال بالأحاديث الواردة عن طريق أهل السنة وإليك بعضا منها ، حديث ابن عباس ، قال (ص) : الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر ، حديث ابن عباس ، قال : صليت مع النبي (ص) ثمانيا جميعا وسبعا جميعا ، قال عمرو بن دينار ، قلت : يا أبا الشعثاء أظنه آخر الظهر وعجل العصر وآخر المغرب وعجل العشاء ، قال : وأنا أظن ذلك ، وظن عمرو بن دينار وكذا أبي الشعثاء لا يغني من الحق شيئا حيث يقول : سبحانه وتعالى : ( إن الظن لا يغني من الحق شيئا ) ، وحديث ابن عباس ، قال : ان رسول الله (ص) صلى بالمدينة سبعا وثمانيةً الظهر والعصر والمغرب والعشاء.

وحديث عبد الله بن شقيق ، قال : خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم وجعل الناس يقولون الصلاة الصلاة ، قال : فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني الصلاة الصلاة ، قال : فقال ابن عباس أتعلمني بالسنة لا أم لك ، ثم قال : رأيت رسول الله (ص) جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، قال عبد الله ابن شقيق فحاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته.

 

وحديث عبد الله بن شقيق العقيلي ، قال رجل لابن عباس : الصلاة فسكت ، ثم قال : الصلاة فسكت ، ثم قال : الصلاة فسكت ، فقال ابن عباس : لا أم لك ، أتعلمنا بالصلاة ، كنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله (ص) ، وحديث ابن عباس ، قال : صلى رسول الله (ص) الظهر والعصر جميعا بالمدينة من غير خوف أو سفر ، قال أبو الزبير : فسألت سعيد لم فعل ذلك ، فقال : سألت ابن عباس كما سألتني ، فقال : أراد أن لا يحرج أحدا من أمته ، وحديث معاذ بن جبل ، قال : جمع رسول الله (ص) في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء ، قال : فقلت ما حمله على ذلك ، فقال : أراد أن لا يحرج أمته ، وهذه الأحاديث كلها نص في جواز الجمع مطلقا وتقيدها بما ذكر في الأقوال ما هي الا ظنون لا تغني من الحق شيئا ، وحديث سهل بن حنيف ، قال : سمعت أبا امامة يقول : صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلي العصر ، فقلت : يا عم ما هذه الصلاة التي صليت ، قال : العصر وهذه صلاة رسول الله (ص).

 

اتفاق الكتاب والسنة : وقد اتفقت مرويات أهل البيت (ع) مع الآية الكريمة السابقة والأحاديث الشريفة المذكورة فمن راجع الأحاديث الواردة عن أهل البيت وجدها أنها تنص على ذلك ، فمنها : حديث الامام جعفر بن محمد الصادق (ع) ، قال : ان رسول الله (ص) جمع بين الظهر والعصر بأذان واقامتين ، وجمع بين المغرب والعشاء في الحضر من غير علة بأذان واحد واقامتين.

وعنه أيضا (ع) ، قال : صلى رسول الله (ص) بالناس الظهر والعصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علة وصلى بهم المغرب والعشاء الآخرة قبل الشفق في غير علة في جماعة وإنما فعل رسول الله (ص) ليتسع الوقت على أمته ، إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة ، تساؤلان وجوابان :

 

التساؤل الأول : كيف يصح الاتيان بصلاة الظهر في وقت العصر وصلاة المغرب في وقت العشاء وبالعكس في حين أن معنى الظهر غير معنى العصر ومعنى المغرب غير معنى العشاء ، ولابد أن تكون الصلاة في وقتها فصلاة الظهر لا تكون الا في وقتها ، وصلاة العصر لا تكون الا في وقت العصر وهكذا المغرب والعشاء.

 

جواب التساؤل الأول : نقول فى الجواب عن هذا السؤال أنه ينحل إلى أمرين :

 

الأول : أنه لا خلاف في وجوب الاتيان بالصلاة في وقتها ولكن الخلاف في هذا الوقت متى يكون ومتى يتحقق ، فتارة نقول أن وقت صلاة الظهر من الزوال إلى ساعة ، وتارة نقول إلى أربع ساعات وهذا يدخل في تحديد الوقت أما كون الصلاة لابد وأن تصلي في وقتها فهذا لا خلاف فيه.

الثاني : أن معنى الظهر هو وقت الزوال مأخوذ من ميل الشمس نحو المغرب في وسط النهار فالزوال إذا أخذ بالمعنى الحدث المصدري فهو لحظة الزوال وهي أهل من الثانية وإذا أخذ معنى الاسم المصدري فهو مستمر إلى ما قبل الغروب.

ولابد أن يكون المراد من الزوال : هو الوقت الذي بعد الزوال من دون تحديد لآخره النهاري سوى ما قبل الغروب كما إن تحديده ابتداء بعد الزوال الحدث المصدري ونفس الكلام يجري في المغرب والعشاء ، علاوة على ذلك أنه ورد كما مر عليك التعليل بأنه حتى لا يشق علي أمته أو حتى يوسع (ص) الوقت على أمته ، فالقضية يمكن أن تكون تعبدية وتسليم لما يريده الله سبحانه وتعالى وقد فعله نبيه محمد (ص).

 

التساؤل الثاني: كيف نشأ الخلاف بين الصحابة وكيف يصح أن حملناهم على الصدق والاخلاص والتقوى والهداية.

جواب التساؤل الثاني : نقول : أن النبي (ص) ملتزم بالمستحبات كالتزامه بالواجبات فلما كان يشتغل بالعبادة بين فرضي الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء فبعض الصحابة يذهب لقضاء بعض شؤونه القريبة ويرجع إلى مسجد النبي (ص) فتوهم البعض أن التفريق واجب في حين من كان ملتصقا بالنبي (ص) عرف إن الفصل إنما هو للنوافل فلو لم يأت بالنوافل كما في بعض الروايات فانه يجمع بين الصلاتين ، فأمثال ابن عباس وأنس بن مالك وأهل البيت (ع) لما كانوا على مقربة قريبة من النبي (ص) عرفوا معنى التفريق الصوري وأنه لأجل النوافل فقط ، ولقد أدرك الدكتور وهبة الزحيلي في موسوعته ذلك ، فقال : الحق جواز الجمع لثبوته بالسنة والسنة مصدر تشريعي كالقرآن.

 

ومن قرأ التاريخ بامعان عرف أن المدينة المنورة صغيرة نسبيا فبناء المنزل يقتصر فيه على ما يكفي للمنام وايواء الضيف ولا يوجد تلك المساحات الكبيرة في المنازل ومما يدل على صغر حجم المدينة المنورة آنذاك أن المسجد النبوي كان في وسط المدينة والبقيع كان خارج المدينة في حين أن البعد بين المسجد والبقيع بضعة أمتار لا يتجاوز الخمسمائة متر في أبعد التقادير ، كما إن المدينة تشكل دائرة نصف قطرها خمسمائة متر تقريبا ، وهذا القدر من المساحة يمكن الوصول إليه في وقت قصير والنبي (ص) يطيل في نوافله ، كما إن من رأى بعض الآثار إلى وقت قريب يرى مدى صغر المنازل وتلاصقها.

الثانية : التكتف في الصلاة : هل التكتف مسنون أو محرم ، قالت الحنفية : هو مسنون وليس بواجب والأفضل للرجل أن يضع باطن كفه اليمنى على ظاهر كفه اليسرى تحت سرته وللمرأة أن تضع يديها على صدرها ، وقالت الشافعية : أما التكتف فليس بواجب ويسن للرجل والمرأة والأفضل وضع باطن يمناه على ظهر يسراه تحت الصدر وفوق السرة مما يلي الجانب الأيسر وتبعهم سفيان الثوري وداود الظاهري.

وقالت المالكية : أما التكتف فجائز ولكن يستحب ارسال اليدين في صلاة الفرض ، وقالت الحنابلة : أما التكتف فسنة للرجل والمرأة والأفضل أن يضع باطن يمناه على ظاهر يسراه ويجعلهما تحت السرة ، وأما الامامية : فقد وقع الخلاف بينهم في هذه المسألة على أقوال :

 

الأول : ذهب أكثرهم إلى أن التكتف في الصلاة مبطل لها لعدم الدليل على مشروعيته فيها.

الثاني : وذهب بعض منهم إلى أنه حرام فمن فعله يكون آثما ولكن لا تبطل صلاته.

الثالث : هو مكروه وليس حرام.

 

دليل أهل المذاهب الأربعة على التكتف : حديث صحيح مسلم : وكان (ص) يضع يده اليمنى على اليسرى ، وحديث أبو داود : وكان (ص) يضع اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد ، وحديث النسائي : وكان (ص) أحيانا يقبض باليمنى على اليسرى.

أما دليل الامامية على عدم التكتف وبطلانه فحديث حريز ، عن رجل ، عن أبي جعفر (ع) ، قال : قلت له : ( فصل لربك وانحر ) ، قال : النحر الاعتدال في القيام أن يقيم صلبه ، وقال : لا تكفر ( أي لا تضع اليمنى على اليسرى ) إنما يصنع ذلك المجوس ، وحديث محمد بن مسلم ، عن أحدهما (ع) ، قال : قلت له الرجل يضع يده في الصلاة اليمنى على اليسرى ، فقال : ذلك التكفير ( أي وضع اليمنى على اليسرى ) لا تفعله.

وأيضا أفعال الصلاة تحتاج إلى ثبوتها في الشرع وليس في الشرع ما يدل على كون ذلك مشروعا وطريقة الاحتياط تقتضي ذلك لأنه لا خلاف إن من أرسل يده فإن صلاته ماضية ، والخلاف في التكتف للأحاديث المتقدمة المختلفة وأيضا فتاوى رؤساء المذاهب الأربعة تدل على اختلافهم في موضوع التكتف ، فالأرجح ارسال اليد في الصلاة لما نذكره في الأحاديث اللاحقة أيضا.

 

من كان يرسل يديه في الصلاة من التابعين :

الأول : ابن الزبير ، عن يزيد بن إبراهيم ، قال : سمعت عمرو بن دينار ، قال : كان ابن الزبير إذا صلى يرسل يديه.

الثاني : ابن سيرين ، عن ابن عليه ، عن ابن عون ، عن ابن سيرين : أنه سئل عن الرجل يمسك يمينه بشماله ، قال : إنما فعل ذلك من أجل الدم.

الثالث : ابن المسيب ، عن عمر بن هارون ، عن عبد الله بن يزيد ، قال : ما رأيت ابن المسيب قابضا يمينه في الصلاة كان يرسلها.

الرابع : سعيد ابن جبير ، عن يحيى بن سعيد ، عن عبد الله بن العيزار ، قال : كنت أطوف مع سعيد ابن جبير فرآى رجلا يصلي واضعا احدى يديه على الأخرى هذه على هذه وهذه على هذه فذهب ففرق بينهما ثم جاء.

 

وقد جاءت أحاديث ثابتة نقلت : فيها صفة صلاته (ص) ولم ينقل فيها أنه كان يضع يده اليمنى على اليسرى ، والمصير اليها أولى لأنها أكثر ولكون هذه ليست مناسبة لأفعال الصلاة ، وإنما جعلوها من باب الاستعانة ولذلك أجازها مالك في النفل ولم يجزها في الفرض كما مر عليك ، وقد يظهر من أمرها أنها ليست من فعل النبي (ص) ، وقال ابن عبد البر : وضع اليمين على اليسرى أو ارسالها كل ذلك سنة في الصلاة.

وروى ابن القاسم ، عن مالك الارسال وهو الأشهر وعليه جميع أهل المغرب من أصحابه أو جمهورهم.

وقال ابن القيم بعد ايراد أحاديث وضع اليدين في الصلاة : فهذه الآثار قد ردت برواية ابن القاسم ، عن مالك ، قال : تركه أحب إلى ولا أعلم شيئا قد ردت به سواه ، وحكى ابن المنذر ، عن عبد الله ابن الزبير والحسن البصري والنخعي أنه يرسل يديه ولا يضع إحداها على الأخرى وحكاه القاضي أبو طيب أيضا عن ابن سيرين وقال الليث بن سعد : يرسلهما فإن طال ذلك عليه وضع اليمنى على اليسرى للاستراحة.

وقال ابن العربي المالكي المتوفي 345 هجرية في أحكام القرآن ما نصه : إن قلنا معنى قوله : ( وانحر ) ضع يدك على نحرك فقد اختلف في ذلك علماؤنا على ثلاثة أقوال :

الأول : لا توضع في فريضة ولا نافلة لأن ذلك من باب الاعتماد ولا يجوز في الفرض ولا يستحب في النفل.

الثاني : أنه لا يضعهما في الفريضة ويضعهما في النفل استعانة لأنه موضع ترخص.

الثالث : يضعهما في الفريضة وفي النافلة وهو ما رواه مسلم ، عن وائل بن حجر أنه رأى النبي (ص) يرفع يديه حين دخل الصلاة حيال أذنه ثم التحف بثوبه ، ثم وضع يديه اليمنى على اليسرى ، راجع : أحكام القرآن تفسير قوله تعالى : ( فصل لربك وانحر ).

 

الخلاصة : أنه روى ، عن مالك ثلاث روايات :

الأولى : وهي المشهورة عنه أنه يرسلها.

الثانية : يضع يديه تحت الصدر فوق السرة.

الثالثة : أنه خير بين الوضع والارسال ذكره في عقد الجواهر أنه قول أصحاب مالك المدنيين وبه ، قال : الأوزاعي وكان يقول : إنما أمروا بالاعتماد اشفاقا عليهم لأنهم كانوا يطولون القيام فكان ينزل الدم إلى رؤوس أصابعهم ، فقيل لهم : لو اعتمدتم لا حرج عليكم.

وقالوا : إن الوضع ينافي الخشوع لأن النبي (ص) علم المسىء صلاته الصلاة ولم يذكر وضع اليدين احداهما على الأخرى ، وقال النووي : لم يعلمه النبي (ص) الا الواجبات فقط.

 

فالمذاهب الأربعة ومن يتبعهم اختلفوا اختلافا كبيرا في ذلك الحكم : منهم من قال : تحت السرة وهو مذهب الأحناف كما حكاه صاحب الهداية ، وكنز الدقائق ، وتبيين الحقائق ، والبحر الرائق.

ومنهم من قال : تحت الصدر فوق السرة ، وهو مذهب الشوافعة كما ذكر : صاحب الوسيط ، والبغوي في شرح السنة ، والنووي في المجموع.

ومنهم من قال : فوق الصدر ، وهو مذهب الحنابلة وبعض الشوافعة ، كما رواه : إبن خذيمة ، وأحمد بن حنبل.

، عن ابن عباس ، قال : وضع اليمنى على الشمال في الصلاة عند النحر وفي سنده روح بن المسيب تكلموا فيه.

 

العودة لصفحة البداية

العودة لفهرس المستبصرين